فهرس الكتاب
الغني والأهمية والمشاركة والقدرة على التغيير بالاضافة الى التكوين التاريخي تحتم علينا أن نتحقق مما اذا كانت الفكرة في الأساس ذات طبيعة موضوعية أم لا، لأنه بتحققنا من دلك وحده يمكننا بعد ذلك أن نحول عملية التهم. وعلى الرغم من مشروعية الشك فيبدو من السهولة بمكان تمييز الفكرة المولدة من غيرها، ليس ذلك بالطبع عن طريق الخبرة الفردية بل عن طريق النظر الناقد للرجال جميعا حين يتبادلون العلاقة مع العالم الذي يعيشون فيه، ولعل هذه النقطة تحتاج إلى مزيد من الاهتمام، ونقول في ذلك أن الإنسان وحده من بين المخلوقات الناقصة هو الذي يستطيع أن يجعل من نفسه وأعماله موضوعا لادراکه وهذه القدرة هي التي ميزته عن سائر الحيوانات التي لا تستطيع أن تميز أفعالها بعيدا عن ذاتها ومن ثم لا تستطيع أن تفكر فيها، ففي مثل هذا التمييز السطحي تتحدد مجالات العمل لكل من الانسان والحيوان. ولما كان العمل بالنسبة للحيوان هو امتداد لذاته فهولا يستطيع أن يفصل بين العمل وذاته ولا يستطيع بالتالي أن يحدد لنفسه أهدافا يستطيع بموجبها أن يغير العالم، ويمكننا على وجه الاطلاق أن نقول أن الحيوانات کائنات تعيش لذاتها وعدم قدرتها على اتخاذ القرار وتحديد الأهداف هو الذي يجعلها تعيش في عالم بدون معنى لأنه عالم يفتقر الى الحاضر والمستقبل أو على وجه أصح هو عالم بدون تاريخ يسيطر عليه حاضر متصل. وهذا العالم غير التاريخي لا يشبه العالم الذي يعيش فيه الانسان ذلك أن العالم بالنسبة للحيوان مجرد مسرح يعيش فيه وهو مكان لا يواجه فيه التحديات يل ينساق فيه الى غرائزه وهو استنادا على ذلك لا يتحمل مسئولية المخاطرة لأنها غير معروفة لديه، أما بالنسبة للانسان فالمخاطرة ليست واقعا مجسدا يراه بعينيه بل هي ظاهرة تدل عليها علامات يعرفها، وعندما يخوض التجربة فهو يضع في ذهنه كل الاحتمالات لان المغامر لا يملك أن يحدد نتائج مغامرته. ولما كانت الحيوانات على غير هذه الشاكلة فانها لا تستطيع أن تلتزم وذلك الانعدام فاعليتها في البناء والتطوير وعدم احساسها بقدرة العالم على تدميرها، فهي
لا تستطيع أن تحول العالم الى شيء ذي مغزى أي لا تستطيع أن تحوله الى عالم من التاريخ والثقافة. وكنتيجة لذلك فان الحيوانات لا تستطيع أن تقرر (حيونة) وجودها ولا تختلف حياتها في الغابة ككائنات في ذاتها عن حياتها في حديقة