الصفحة 108 من 116

الحيوان، وبعكس ذلك تماما فان الرجال يكونون دائما على وعي تام بانشطتهم والعالم الذي يعيشون فيه، فهم يتصرفون بناء على أهداف يقترحونها بأنفسهم ويحددونها حسب علاقتهم مع العالم والآخرين، وهكذا تجدهم بفعمون العالم بطاقاتهم المبدعة، وعلى غير ما هو الأمر مع الحيوانات فان الرجال لا يعيشون فقط بل هم في الحقيقة يحيون وحياتهم بالضرورة ذات قيمة تاريخية، ولا تتميز الحيوانات بهذه الخصيصة لأن حياتها ذات قيمة مؤقتة أو نمطية مسطحة، فالرجال يعيشون في عالم يحدثون فيه تغييرا متصلا، وأما الحيوانات فانها تعيش بالعادة ولا يعني المكان بالنسبة لها سوي موضع تمارس فيه وجودها، وعلى غير ذلك فان الرجال يعتبرون العالم تجسيدا فيزيقيا يمارسون فيه وجودهم التاريخي. ونستطيع أن نقول على وجه أدق أن الحيوان لا يعي معنى المكان والزمان والغد والأمس، فهو يفتقر الى الوعي بمثل هذه الأمور وأما الرجال فلأنهم يعون حقيقة أنفسهم وحقيقة العالم الذي يعيشون فيه فانهم يعيشون في علاقة جدلية مع العالم يستكشفون فيها أبعاد قيودهم والآفاق التي تحررهم منها. وبمجرد أن يميزوا أنفسهم عن العالم وعما يقومون به من أفعال ويصبح في مقدورهم تحديد موقفهم من أنفسهم في علاقتها مع العالم يبدأون في تجاوز قيودهم الشخصية بمواجهة التحدي الذي يسميه (فيرا بنت» رد الفعل وهي مجموع المواقف التي تقضي على السلبية وتتجاوز العقبات. وهكذا فليست التحديات في ذاتها هي التي تخلق الياس بل الزاوية التي ينظر منها الناس إلى هذه التحديات هي التي تحدد بأسهم وأملهم. ولما كان النقد الواعي متضمنا في العمل فان الأمل والثقة كفيلان بأن يقودا الانسان لتجاوز الصعاب في حقبة تاريخية التبدأ صعاب جديدة يحاول تجاوزها بأمل جديد.

وهكذا فان العالم كمسرح للحيوان ليس فيه أي نوع من التحدي بسبب طبيعته غير التاريخية، ومن ثم فلا تستطيع الحيوانات أن تجرب الوسائل التي تتجاوز بها الصعاب والتي تتطلب موقف حاسي من العالم يتلخص في معرفة الأهداف التي يتم بها تطويره، ولقد لخصنا دور الحيوان في التأقلم مع العالم، وهكذا فعندما يبني الحيوان عشأ أو خلية أو حجر فهو في الحقيقة لا يواجه بذلك تحديا بل يلبي حاجة عضوية غريزية طبيعية، ذلك أن حاصل عمل الحيوان يرتبط مباشرة بوجوده

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت