فهرس الكتاب
العضوي، ولكن الانسان غير ذلك لأنه يواجه عمله بحرية وتصدر أعاله عن وعي بها، وجميع الأعمال التي تصدر عن وعي هي التي يكون لها معنى وهي التي تجسد العالم في النهاية.
ويتلخص الفرق بين الحيوان الذي لا يستطيع أن يعي شيئا والانسان الذي يدرك حقيقة ابداعه فيا نسميه الممارسة المبدعة للثقافة والتاريخ، فالانسان وحده هو القادر على مثل هذا العمل بفضل وعيه ومعرفته وعمله، وذلك بالطبع ما يفتقر اليه الحيوان. ويبدو لنا أن الرجال في مواجهتهم للعالم لا ينتجون بضائع مادية فحسب وانما ينتجون أيضا أفكارة ونظم ومفاهيم، ولما كان الرجال قادرين على تحويل الزمن إلى ماض وحاضر ومستقبل فهم أيضا قادرون على تطوير العالم من خلال مراحل واضحة المعالم، وهي ليست مراحل مغلقة أو جامدة بل هي في الحقيقة مراحل متداخلة ومتواصلة من أجل استمرارية حركة التاريخ حيث كل حقبة من هذه الحقب تتميز بآرائها ومفاهيمها وآمالها وشكوكها وتحدياتها وهذه الأمور جميعا هي التي تكون الأساس الذي تقوم عليه الحقبة باسرها وهي التي تولد ما يعاكسها ليصبح موضوعا لعمل جديد.
ويتضح لنا أن هذه التركيبة المتداخلة من التصورات هي التي تعطي العالم قيمته التصورية، وبما أن الناس يختلفون في تصورهم للغالم فأنت تجدهم يتخذون منه مواقف متناقضة، فبينا يرغب بعضهم في المحافظة على الهياكل الموجودة يتجه آخرون نحو تغييرها وكلما اتسعت اخوة بين التصورات المختلفة للعالم اكتسب الناس رؤية ضبابية عن الحقيقة لأن الذي يسود في مثل هذه الحال في المذهبية واللاعقلانية وتلك من الأمور التي تهدد التصورات ذاتها لأن التصورات في مثل هذه الحال تبدأ في فقدان فاعليتها الديناميكية وخصائصها الأصيلة. وفي هذا الجو يصبح الفكر الخرافي قوة مسيطرة على العقل البشري، وفي مثل هذا الجو أيضا يجد الفكر المناقض والذي يحاول أن يكشف حقيقة الخرافة - ليحقق التجديد المؤدي الى حرية الانسان - صعوبة في تحقيق ذاته، ومن ذلك يتبين لنا أنه في الوقت الذي يحاول فيه الانسان تجاوز العقبات التي تحد تصوراته للعالم فان هذه التصورات