الصفحة 128 من 308

في عصر تتوافر فيه المساواة الاجتماعية كما يتوافر فيه تقبل القيم السياسية دون جدل لابد وأن يقتصر على تشكيل المقترحات الفنية في إطارها العام وينصرف فقط إلى مناقشة تفاصيلها دون أي شيء آخر. لقد جاءت أزمة التعاليم والقيم السياسية - الأزمة التي دلت على نهاية العصور الوسطى - جاءت بالفرصة التي تمكن من إعادة بحث كل الافتراضات في هذه التعاليم والقيم؛ ولكن لما كان عالم السياسة بأسره في فورة فقد بدا من الممكن تشكيله تبعا للمبادئ الجديدة؛ ولا يعني هذا أن مثل هذه المعالجة الدقيقة المتعمقة إلى أصول الموضوع توجد عادة بين كل مفكري ذلك العصر؛ بل كانت هناك حاجة ملحة إلى رجل مثل مكيافيللي لينتفع من كل القوى والإمكانيات التي جاءت بها أزمة ذلك العصر، وفي ذات الوقت كانت الأزمة التي جاءت في عصر مكيافيللي لازمة ضرورية لتجعل الإدراك الذي توافر له - هذا الإدراك الثوري للمشكلات السياسية - مستطاعا ومثمرا.

وكانت روح النهضة تتمشى تماما وتوافق مثل هذا الاختبار للظاهرة السياسية من وجهة النظر للمبادئ والأصول الحديثة، فإن المبادئ التي تقبلها كل مفكري عصر النهضة وجعلوها دعامة كل ما وصلوا إليه في الفلسفة والعلم كانت هي الإيمان بقيام قانون يحكم ظواهر الحياة الاجتماعية والنشاط البشري، كانت هناك القوانين التي يمكن أن تكتشف وأن توضح نتيجة لدراسة الأسباب والدوافع، هذه القوانين التي يمكن أيضا بوساطتها السيطرة على الحوادث؛ ولهذا كانت فكرة مكيافيللي في «أن القوانين تسيطر كذلك على الحوادث العسكرية وتوجهها في مسارها قاعدة أساسية في تفكيره ودراساته للمسائل العسكرية؛ ولهذا فإنه قد وجه كل عنايته للبحث عن هذه القوانين، ومن ثم شارك في رأي مفكري عصر النهضة الذين قالوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت