الصفحة 130 من 308

بأن الإنسان يستطيع بسلاح «العقل، أن يغزو وأن يدمر فكرة «الصدفة والحظ في الحياة.

ولم تكن هذه العقيدة سطحية خمنها التفاؤل؛ فإن رجال عصر النهضة - في الواقع - لم ينظروا إلى الحظ نظرة عاجلة ولم يقللوا من قيمته؛ بل اعتبروا الحياة صراعا عنيفا له خطره، يقوم بين منطق الإنسان وعقله وبين آلهة الحظ، ولكنهم في ذات الوقت لم يشكوا قط في أن عقل الإنسان هو الذي ينتصر في النهاية.

وعندما جعل مكيافيللي المعركة مركز نظرياته العسكرية فإنه استطاع أن يفعل هذا بسبب أن الشك في النتائج الأمر الذي أخاف الكتاب قبله لم يخفه هو، ثم إنه بتشكيله تنظيا عسكريا يتفق مع القوانين التي يمليها العقل كان من الممكن أن يقلل من نفوذ الصدفة وأن يجعل النجاح شيئا مؤكدا

وهذا الاعتقاد بتغلب العقل كان هو الدافع الحقيقي لإعجاب مكيافيللي بالتعاليم العسكرية الرومانية، ولم تكن الرغبة في تمجيد القديم ولا الاتجاه الشخصي هما اللذان قاداه لأن يفضل هذا المثال التاريخي الخاص على كل ماعداه، فإن مناعة الجيش الروماني وامتداد الدولة الرومانية واتساعها كانتا دليلا على أن الرومان اصطنعوا أحسن التنظيمات التي يمكن أن تتفق ومنطق الواقع، وكانت تعاليمهم العسكرية هي إدراك للطابع الدائم الذي يضع تصميم التعاليم والنظم العسكرية لكل دولة.

وتبعا لجعل هزيمة العدو وتدمير قواته الهدف الأساسي للحرب، صار الفكر العسكري ميدانا مستقلا له مبادئه الموجهة وله منطقه و أساليبه الخاصة، وبذلك بات من الممكن مناقشة المشاكل العسكرية على أسس فنية

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت