يخيم فيه صمت رهيب، فرشه الحصباء وساكنه الديدان والحشرات، فلو كان الأمر كذلك لاستوى فيه المؤمن والكافر على حد سواء، ولا يستقيم هذا مع الحق الذي أقام الله السماوات والأرض عليه، صحيح أن منظر القبر كئيب، وأنه موحش يهذب النفس، ويرقق القلب المؤمن حين يعرف أن القبر نهاية الحياة الدنيا، ولكن الحقيقة التي يجب إلا تبتعد عن عين المؤمن، أن وراء هذه الظلمة التي نراها بأعيننا في القبر غيبا نبأنا الله به، وحياة وصفها لنا رسولنا الكريم عليه أزكى الصلاة وأتم التسليم [1] إنه إما روضة من رياض الجنة للصالحين جزاء إحسانهم وطاعتهم، أو حفرة من حفر النّار للمكذبين والمسيئين العاصين 0
وعذاب القبر، قد يكون دائما ملازما لا ينقطع أبدا، على الكفار والعصاة، ويدل على دوامه قوله تعالى {النّار يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُواًّ وَعَشِياًّ} . [2]
وقد يكون لفترة ثم ينقطع، وهو عذاب بعض العصاة الذين خفت جرائمهم، فيعذب بحسب جرمه ثم يخفف عنه، كما يعذب في النّار مدة ثم يزول عنه العذاب، وقد ينقطع عنه العذاب بدعاء، أو صدقة، أو استغفار، أو ثواب حج، أو قراءة تصل إليه من بعض أقاربه أو غيرهم.
ومن المعلوم أن عذاب القبر يكون خفيا، لا يدرى عنه الناس شيئا، وقد أخبرت السنة الصحيحة أن البهائم تشعر بعذاب القبر لما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه قال: أن الموتى ليعذبون في قبورهم حتى أن البهائم لتسمع أصواتهم. [3]
(1) منهج القرآن (ص 493)
(2) الآية 46 من سورة غافر
(3) رواه الطبراني عن ابن مسعود وصححه الألباني في صحيح الجامع (1965)