فهرس الكتاب
فيلقون في نَهر بأفواه الجنة يقال له: ماء الحياة، فينبتون في حافَّتِه كما تنبت الحبة في حَمِيل السيل )) [1] .
وفي ذلك يقول الله - سبحانه: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء: 28] ، ويقول: {يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا} [طه: 109] ، فالله - سبحانه - عَلَّقها برضاه عن المشفوع له وإذنه للشافع، فما لم يوجد مَجموع الأمرين لم توجد الشفاعة، وذلك لأنَّ الأمرَ كُلَّه لله، وأن الرسل والملائكة المؤمنين عبيدٌ لله لا يسبقونه بالقول، ولا بالفعل، إلاَّ مِن بعد إذنه، فهم مَملوكون وهو ربُّهم، وفي ذلك اليوم لا تَملك نفسٌ لنفس شيئًا والأمر يومئذ لله.
أمَّا الشفاعةُ التي يظنُّها المشركون في شركائهم؛ حيث جهلوا حقَّ الربِّ - سبحانه - وقاسوه على الخلق قياسًا فاسدًا عبدوا به الأصنام، فظنوا شفاعةَ شركائهم عند الله من جنس شفاعة المخلوقين عند بعضِهم، فإنَّ هؤلاء الخلق هم القائمون بمصالحهم، وهم أعوانهم وأنصارهم، ولولاهم لما ملكوا الناس ولا حكموا فيهم، فحاجتهم إليهم تَجعلهم يقبلون شفاعتهم، ولو على كُرْهٍ منهم، وإن لم يأذنوا فيها ولم يرضوا عن الشافع، فلا يَجدون بُدًّا من قَبول شفاعتهم وإلا تركوا طاعتهم وقدموا غيرهم، لكنَّ الله غَنِيٌّ عن الشريك والظهير والمعين، ولو أهلكهم جميعًا، ما نقص مُلكه ولا عِزُّه ولا سُلطانه مثقالَ ذَرَّة.
وشفاعة الخلق قد تكون شفاعةً عند مَن يكره المشفوع له، لكن له عند الشافع مصالِح لا تُقضَى إلا أن يَرضى، فهو يُرضيه، وقد يكون عند المشفوع
(1) تقدم.