الصفحة 10 من 30

إليه العقول الصحيحة والفِطَر السليمة، وتَعرِفُه بمجرد ظهوره، لا كالأمور الخَفِيّة، التي تحتاجُ إلى تأمُّل وفِكرٍ طويل)، ثم قالوا له: {وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ} يعني: وما نَراكم أفضل مِنَّا في رِزقٍ أو مال (بعدما دخلتم في دينكم هذا) ، ولستم أفضل مِنّا لِنَنقادَ لكم {بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ} فيما تَدْعوننا إليه.

الآية 28: {قَالَ} لهم نوح: {يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ} يعني أخبِروني {إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي} أي على عِلمٍ يَقيني أَوحاه إليَّ ربي وأمَرَني أن أدعو الناس إليه (وهو عبادته وحده لا شريك له) لأنه سبحانه الخالق الرازق المُستحِق وحده للعبادة، (واعلم أن البَيِّنة: هي الحُجَّة الواضحة، وتُطلَق أيضًا على المُعجزة، فيَجوز أن تكون له مُعجزة لم يَذكرها اللهُ تعالى، فإنّ بعثة الرُسُل عليهم السلام لا تَخلو من المعجزات الدالّة على صِدقهم) ، {وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ} - وهي النُبُوّة والرسالة - {فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ} : أي فأخفاها سبحانه عليكم، وصَرَفَكم عن فَهْمها وقبولها، بسبب غروركم واتِّباعكم لأهوائكم، فأخبِروني إذًا: ماذا أصنع معكم أنا والمؤمنونَ بي؟ {أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ} يعني: فهل يَصِحّ أن نُلْزمكم باتِّباع هذه الرسالة بالإكراه؟ لا نفعل ذلك أبدًا، ولكننا نُفوض أمْرَكم إلى اللهِ تعالى، حتى يَقضي فيكم - بعدله وحِكمته - ما يَشاء.

الآية 29، والآية 30: {وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا} أي لا أطلب منكم مالًا تؤدونه إليَّ بعد إيمانكم (حتى لا يكون ذلك مانعًا لكم عن اتِّباعي) ، {إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ} يعني: ولكنّ ثوابَ دَعْوَتي لكم على اللهِ وحده، {وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آَمَنُوا} يعني: وليس لي أن أطرد المؤمنين مِن حَولي - كما اقترحتم عليّ - بحُجَّة أنهم فقراء ضعفاء، حتى أُرضِيكم فتَقبلوا الاستماعَ مِنِّي، فـ {إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ} يوم القيامة، وسيَشهدون على مَن ظَلمهم، فكيف يَصِحّ مِنِّي إبعادهم عن سَماع الهُدى وتَعَلُّم الخير؟! {وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ} أي تَجهلونَ أنّ العِبرة بزكاة النفوس وطهارة الأرواح، لا بالمال والجاه كما تتصورون، {وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ} يعني: مَن يَمنع عني عقابَ اللهِ إنْ طردتُ عباده المؤمنين (الذين تحتقرهم عيونكم المريضة، التي لا تَقدر على رؤية الحق وأهله) ؟ {أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} : يعني أفلا تتدبرون الأمور، فتعلموا ما هو الأنفع لكم والأصلح؟!

?واعلم أنّ هذا قد حدث أيضًا مع بعض المشركين في مكة، حيثُ اقترحوا على النبي صلى الله عليه وسلم أن يُبعِد عن مَجلسه فقراء المؤمنين - مثل بلال وعَمّار وصُهَيْب - حتى يَجلسوا إليه ويَسمعوا عنه، فقالوا له: (اطرد هؤلاء عنك حتى لا يَجْترئوا علينا) ، فهَمَّ الرسول صلى الله عليه وسلم أن يَفعل ذلك (رجاء هِداية أولئك المشركين) ، فنَهاه اللهُ تعالى عن ذلك بقوله: {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت