الآية 84: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا} أي: ولقد أرسلنا إلى قبيلة مَدْيَن أخاهم شُعيبًا، فـ {قَالَ} لهم: {يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ} وحده، فـ {مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ} يَستحق العبادة {غَيْرُهُ} فأخلِصوا له العبادة، {وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ} أي: ولا تنقصوا الناسَ حقوقهم في مَكاييلهم ومَوازينهم، {إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ} : يعني إني أراكم في سَعَةٍ من العيش، لا تحتاجون معها إلى هذا الغش، {وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ} - بسبب الشِرك وإنقاص الكَيل والميزان - {عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ} أي يُحِيطُ بكم، ولا يُبقِي منكم أحدًا.
?واعلم أنّ هذا مِن آداب النصيحة: أن تبدأ بالثناء على مَن تنصحه - فإنّ الناسَ قد فَطَرَهم اللهُ على حُبّ مَن يَمدحهم -، وذلك بأنْ تَذكُر له أيَّ صفةٍ جيدة فيه، كأنْ تقول له: (واللهِ أنا سعيد جدًا لأنك حريص على صلاة الجماعة، ولكني - واللهِ - أخافُ عليك مِن فِعل كذا، لأني أحبك) ، فبهذا يَقبل منك النصيحة.
الآية 85، والآية 86: {وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ} يعني أتِمُّوا الكَيل والميزان بالعدل، {وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ} أي لا تُنْقِصوا الناس حقهم في عموم أشيائهم.
? واعلم أنه قد أعاد النداء عليهم في قوله: {وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ} بعد أن نَهاهم عن ذلك في قوله: {وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ} لزيادة التأكيد والتنبيه على إيفاء الكَيل والميزان.
{وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} أي لا تسعوا في الأرض بأنواع الفساد، كالشرك والمعاصي وأكْلُكُم أموال الناس بالباطل، فـ {بَقِيَّةُ اللَّهِ} يعني: ما يَتبقى لكم من الربح الحلال - بعد إتمام الكَيل والميزان - هو {خَيْرٌ لَكُمْ} ممَّا تأخذونه بالغش وغير ذلك من الكسب الحرام، فإنّ اللهَ يُبارك لكم في الحلال - ولو كان قليلًا - بشرط: {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} (فإنّ البَقية الحلال لا تكونُ خيرًا إلاّ للمؤمنين) ، {وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ} يعني: وما أنا عليكم برقيب أحفظ عليكم أعمالكم وأحاسبكم عليها، وإنما أُبَلِّغكم ما أُرْسِلتُ به إليكم.
الآية 87: {قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ} التي تُداوم عليها {تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا} من الأصنام، {أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ} : يعني وتأمرك أيضًا أن نَمتنع عن التصرف في كَسْب أموالنا بما نشاءُ مِن احتيالٍ ومكر؟!، ثم قالوا - استهزاءً به: {إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ} (ومعنى كلامهم: كيف تكون أنت الحليم الرشيد، ويكونُ آباؤنا هم السُفهاء الضالون؟!) ، وهذا كقول الملائكة لأبي جهل - وهو في النار: {ذُقْ إنك أنت العزيز الكريم} .