فهرس الكتاب
ويذهب أبو حاتم، والأصمعي، وأبو الطيب اللغوي، والصَّغاني في تعليل دلالة (المَسْجُور) على: الملآن والفارغ في آنٍ واحدٍ؛ بحملهم إطلاق اللفظة للتفاؤل (89) إذا شاء المرء التعبير عن معنىً سيئ، تشاءم من ذكر الكلمة الخاصة به: وفرّ إلى غيرها، وكنى عنها بكلمات حسنة المعنى قريبة إلى الخيروأنّ المراد من ذلك (الفأل الحسن) ، كما يقال: للعطشان ريّان، وللّديغ سليم، أي: سيروى وسيسلم. والظاهر من هذا أنّ إطلاق اللفظة على المملوء أصلًا في اللغة، وعلى الفارغ تفاؤلًا بامتلائه (90) ومن ذلك قول الجارية: إنَّ حوضكم لمسجور، ولم يكن فيه قطرة، فيكون هذا الكلام على التفاؤل، بأن: أرادت بذلك الفأل الحسن.
أمّا الدلالة الثالثة (91) للمسجور هي: الموقد نارًا، ومنه قولهم: سَجَرْتُ التَّنُّور أسْجُرُهُ سَجْرًا: أحمَيتُهُ، ومنه أيضًا قولهم: سُجِّرت القُبُور، أي: أوقدت نارًا.
أمّا في الاستعمال القرآني، فقد وردت مادة (سَجَرَ) ثلاث مرات (92) ،حاملةً ثلاث دلالاتٍ مكانية أيضًا هي: الملآن، والفارغ، والموقود نارًا وقد وردت المادة بصيغتين:
إحداهما: فعلية، بصيغة الفعل الماضي المبني على الفتح؛ لاتصاله (بتاء التأنيث) العائدة على (البحار) ، وذلك لمرةٍ واحدةٍ في قوله تعالى: {وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ} ). فقد وردت الآية الكريمة في سياقٍ تصويري، صوَّر فيه تعالى أهوال يوم القيامة، ويصح في لفظة (سُجِّرَتْ) قراءتان، إحداهما: بتشديد الجيم، والثانية: بتخفيفها، والصواب في ذلك أنَّهما قراءتان معروفتان متقاربتا المعنى، أيُّهما اختار القارِئ فقد أصاب (93) ، فسواء قرأت بالتخفيف أو بالتشديد، فإنها ترجع إلى أصل لغوي واحد، مأخوذ من سَجَرَ التنور إذا ملأه بالحطب. فأريد بها: أن البحار (( مُلئت وفُجِّر بعضها إلى بعض حتى تعود بحرًا واحدًا ) ) (94) ،فدلت اللفظة أذن على امتلاء البحار وتأجّجها بالنار، بتفريغ بعضها في بعضها بتفجُّرِها حتى عادت بحرًا واحدًا، وقيل: إنها تُملأ نارًا لتعذيب أهلها (95) ،ووردت المادة أيضًا بصيغة الفعل المضارع المسند إلى (واو الجماعة) (يَسْجُرونَ) مرةً واحدةً، وذلك في قوله جلَّ ثناؤه من سورة غافر: {إِذِ الأَغْلالُ فِي أَعْنَقِهِمْ وَالسَّلسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ} الآية / 72. والمعنى: إنه يُرمى بالكفار في نار جهنم التي تُوقد عليهم. فدلَّت اللفظة على الإيقاد والاحتراق فتسجر بهم جهنم، أي: توقد بهم وتحرقهم (96) ،والثانية: اسمية، وردت فيها اللفظة بصيغة اسم المفعول (مَسْجُور) من الفعل الثلاثي (سَجَر) فهي على زنة (مَفْعُول) وذلك لمرةٍ