فهرس الكتاب
الصوم عبادة يغلِب عليها مراقبة الله، والإخلاص في العمل؛ إذ إن الصائم لا يَطَّلِع عليه في وقت خَلوته أحد إلا الله، ومع ذلك يمتنع عن الإتيان بما يُخِل بصومه مراقبة لله وإخلاصًا له في هذه العبادة، فينشأ في نفسه التقوى التي أحلَّها وقاية نفسه من غضب الله وسخطه.
ثم إن هذه التقوى والخشية تزداد عنده في هذا الشهر بما رغَّب فيه الشرع مع الصيام بقراءة القرآن وذِكر الله - عز وجل - وقيام الليل والصدقات وغير ذلك.
وما زال يزداد ويرقى، وتقوى عزيمته بترك مألوفاته ومباحاته، فيتعوَّد بذلك على ترك ما يُبغِض اللهُ ولو كان شيئًا يسيرًا.
قال الحسن البصري:"ما زالت التقوى بالمتقين حتى تركوا كثيرًا من الحلال مخافة الحرام".
التقوى وصية الله إلى جميع خلقه:
قال تعالى: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ} [النساء: 131] .
والتقوى وصية رسوله - صلى الله عليه وسلم-:
فعن العرباض بن سارية قال: وعَظَنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - موعظةً بليغة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله، كأنها موعِظة مودِّع، فأوصنا، قال: (( أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن تأمَّر عليكم عبد حبشي ) )الحديث [1] .
وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا بعث أميرًا على سرية أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله، وبمن معه من المسلمين خيرًا.
كان أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - يقول في خُطْبته: أما بعد فإني أوصيكم بتقوى الله وأن تُثنوا على الله بما هو أهله، وأن تَخلِطوا الرغبةَ بالرهبة وتجمعوا الإلحاف بالمسألة.
وكتب عمر إلى ابنه عبدالله: أما بعد، فإني أوصيك بتقوى الله، فإنه مَن اتقاه وقاه، ومن أقرضه جزاه، ومَن شكره زاده، واجعل التقوى نصب عينيك وجلاء قلبك.
واستعمل علي بن أبي طالب رجلًا على سريَّة، فقال له: أوصيك بتقوى الله - عز وجل - الذي لا بد لك من لقاه، ولا منتهى لك دونه، وهو يَملِك الدنيا والآخرة.
(1) صحيح: رواه أبو داود والترمذي، وقال: حسن صحيح.