فهرس الكتاب
وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولاَ وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا سورة فاطر آية 41.
تدبر يا أخي في هذا الفلك الدوار، وفي تعاقب الليل والنهار، وفي تصريف الأوقات بفصولها ومنافعها، وفي كمال انتظامها لمصالح الخلق التي لا يمكن إحصاؤها، هل ذلك صدفة الطبيعة؟ وهل هذا حصل اتفاقاً؟ أم الذي خلق ذلك ودبره ذلك التدبير المتقن: هو الذي أحسن كل شيء خلقه، وصنع الله الذي أتقن كل شيء.
وانظر هداك الله إلى أنه أعطى كل شيء خلقه اللائق به، ثم هدى كل مخلوق إلى مصالحه وحوائجه وضروراته، حتى البهائم العجم صغيرها وكبيرها قد ألهمها وهداها لكل أمر فيه نفعها، ويسر لها أرزاقها وأقواتها فمن نظر في هدايته العامة، وبثه في كل مخلوق إلهاماً عجيباً يهتدي به إلى منافعه وضروراته، علم بذلك عنايته العظيمة، وعلم أنه الرب لكل مربوب الخالق لكل مخلوق، الذي علم المخلوقات وأعطاها من الأذهان ما يصلحها ويدفع عنها المضار، وذلك برهان عقلي عظيم على وحدانية الله وكماله، ولذلك لما أنكر فرعون رب العالمين وقال: {فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} سورة طه آية 49، 50 فاستدل عليه بهذا البرهان المشاهد لكل أحد؛ فهل في طبيعة الحيوانات كلها هذه الهداية إلى مصالحها التي لا تحصى أنواعها، وحنوها على أولادها، وقيامها بهم حتى يستقلوا بأنفسهم؟