فهرس الكتاب
وقيل لآخر بأي شيء نعرف ربنا؟ فقال: بمداولته الأيام بين العباد في العز والذل، والغنى والفقر بأسباب وبغير أسباب.
وقيل لآخر بأي شيء يعرف الله؟ فقال: بقوله تعالى: {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا} سورة هود آية 6، فننظر مصداقها بين الخليقة وأن كل أحد قد يسر الله له من أسباب الرزق ما به يعتاش، هذا بتجارته، وهذا بصناعته، وهذا بحراثته، وهذا بخدمته، وهذا بمخلفات من قبله، وهذا بتنميته للمواشي، وهذا بإحسان غيره عليه، وهذا بكد غيره. إلى آخر الأسباب التي قدرها العزيز الحكيم ونوعها العليم الرحيم، فسبحان من وصل رزقه إلى الذرات في مهامه البراري وقعور المظلمات.
قلت: وهذه الأجوبة كلها عن الكليات والجزئيات صحيحة تضطر العقول إلى الاعتراف بربها، وبوحدانيته ويمكن مضاعفتها إلى أضعاف أضعاف كثيرة، فإنك إذا نظرت نظرة عمومية إلى العالم العلوي والسفلي وعظيم هذه المخلوقات وانتظامها العجيب وترتيبها المحكم وما يترتب على ذلك وينتج عنه من مصالح العالم أو المخلوقات، علمت أن لهذا العالم رباً عظيماً وملكاً كبيراً قادراً مقتدراً قد خضعت له الأكوان ودانت له الخليقة، وأخذ بنواصي العباد وعلمت أن هذه النيرات وما يتبعها مدبرات ليس لها من الأمر شيء، وإنما هي عبيد لله مسخرات بتسخيره مدبرات بتدبيره. ثم إذا نظرت لكل مخلوق على حدته وتأملت في ابتداء خلقته وفي بقية صفاته وأحواله وتنقلاته، دلك ذلك على أن لها