فهرس الكتاب
ثابت القواعد، لا يمكن عقلاء الأمم أجمعين أن يأتوا بمثله في إصلاح أحوال البشر ودفع الشرور عنهم، وأنه لم يأت ولن يأتي علم صحيح يناقض شيئاً من أخباره، بل كلها مطابقة للعقول وفيها تفصيلات لا تهتدي إليها العقول إلا بإرشاده وهدايته، وشاهدت أحكامه في العبادات والمعاملات وغيرها، وما فيها من الخير والعدل والصلاح المتنوع؛ وشاهدت كل نفع وإصلاح وجد ويوجد موجودة أصوله وأسسه في هذا الدين، وعلمت أنه عصمة للبشر عن الشرور والمضار عرفت بذلك وحدانية الله في أسمائه وصفاته وأفعاله، وأنه شرع العزيز الحميد، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.
وإذا علمت أخباراً كثيرة أخبر بها الله ورسوله، فشاهد الخلق وقوعها جهراً طبق خبر الله وخبر رسوله، دلك ذلك على الاعتراف بالله وعظمته وكمال سلطانه وكبريائه.
فهذه كلها أدلة عقلية ضرورية، وهي براهين قاطعة على وجود الله ووجوبه ووحدانيته؛ وهي في الحقيقة أعظم الحقائق الصحيحة التي تتفق عليها العقول الصحيحة والفطر السليمة، وكلها تنبيهات وإشارات لو بسطت بعض البسط لبلغت مجلدات، والمؤمن يزداد بها إيماناً ويقيناً، وإلا فهو مكتف غاية الاكتفاء ومستغن غاية الاستغناء في هذه المسألة الكبيرة وغيرها بخبر الله ورسوله، ويعتقد بلا ريب أنه لا أصدق من الله قيلاً، ولا أصدق من الله حديثاً، {رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا} سورة آل عمران من آية 193. {رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} سورة آل عمران آية 53.
ولكن العقل مؤيد للشرع ومعترف بكمال الشرع وهدايته وأنه مضطر إلى الشرع ومكتمل بإرشاداته، ومهتد بأنواره، فالعقول لا تستنير ولا تستقيم حق الاستقامة إلا بالدين والشرع، ولهذا يكثر تعالى من قوله: {لآَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} ويأمر بالتفكر والتدبر لآياته المسموعة وآياته المشهودة والله أعلم [1] .
فائدة
الرب تعالى يدعو عباده في القرآن إلى معرفته من طريقين:
أحدهما النظر في مفعولاته.
والثاني التفكر في آياته وتدبرها، فتلك آياته المشهودة، وهذه آياته المسموعة المعقولة. فالنوع الأول كقوله: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ} إلى آخرها [2] ، وقوله: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآَيَاتٍ لأُولِي الألْبَابِ} [3] وهو كثير في القرآن. والثاني كقوله: أَفَلاَ
(1) من كتاب الرياض الناضرة والحدائق النيرة الزاهرة في العقائد والفنون المتنوعة الفاخرة. للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى ص 246 - 268.
(2) سورة البقرة آية 164.
(3) سورة آل عمران آية 190.