(19) (آل عمران: 18 - 19) .
يقول الإمام السعدي في تفسيره: هذا تقرير من الله تعالى للتوحيد بأعظم الطرق الموجبة له، وهي شهادته تعالى وشهادة خواص الخلق وهم الملائكة وأهل العلم، أما شهادته تعالى فيما أقامه من الحجج والبراهين القاطعة على توحيده، وأنه لا إله إلا هو، فنوع الأدلة في الآفاق والأنفس على هذا الأصل العظيم، ولو لم يكن في ذلك إلا أنه ما قام أحد بتوحيده إلا ونصره على المشرك الجاحد المنكر للتوحيد، وكذلك إنعامه العظيم الذي ما بالعباد من نعمة إلا منه، ولا يدفع النقم إلا هو، والخلق كلهم عاجزون عن المنافع والمضار لأنفسهم ولغيرهم، ففي هذا برهان قاطع على وجوب التوحيد وبطلان الشرك، وأما شهادة الملائكة بذلك فنستفيدها بإخبار الله لنا بذلك وإخبار رسله، وأما شهادة أهل العلم فلأنهم هم المرجع في جميع الأمور الدينية خصوصًا في أعظم الأمور وأجلها وأشرفها وهو التوحيد، فكلهم من أولهم إلى آخرهم قد اتفقوا على ذلك ودعوا إليه وبينوا للناس الطرق الموصلة إليه، فوجب على الخلق التزام هذا الأمر المشهود عليه والعمل به، وفي هذا دليل على أن أشرف الأمور علم التوحيد لأن الله شهد به بنفسه وأشهد عليه خواص خلقه، والشهادة لا تكون إلا عن علم ويقين، بمنزلة المشاهدة للبصر، ففيه دليل على أن من لم يصل في علم التوحيد إلى هذه الحالة فليس من أولي العلم.
وقال تعالى:"وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (36) إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (37) "النحل: 36 - 37)
قال الإمام الشوكاني في"فتح القدير": وَ «أَنِ» فِي قَوْلِهِ: أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ إِمَّا مَصْدَرِيَّةٌ، أَيْ: بَعَثْنَا بِأَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ، أَوْ مُفَسِّرَةٌ لِأَنَّ فِي الْبَعْثِ مَعْنَى الْقَوْلِ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ أَيِ: اتْرُكُوا كُلَّ مَعْبُودٍ دُونَ اللَّهِ كَالشَّيْطَانِ وَالْكَاهِنِ وَالصَّنَمِ وَكُلِّ مَنْ دَعَا إِلَى الضَّلَالِ فَمِنْهُمْ أَيْ: مِنْ هَذِهِ الْأُمَمِ الَّتِي بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهَا رُسُلَهُ مَنْ هَدَى اللَّهُ أَيْ: أَرْشَدَهُ إِلَى دِينِهِ وَتَوْحِيدِهِ وَعِبَادَتِهِ وَاجْتِنَابِ الطَّاغُوتِ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ أَيْ: وَجَبَتْ وَثَبَتَتْ لِإِصْرَارِهِ عَلَى الْكُفْرِ وَالْعِنَادِ. قَالَ الزَّجَّاجُ: أَعْلَمَ اللَّهُ أَنَّهُ بَعَثَ الرُّسُلَ بِالْأَمْرِ بِالْعِبَادَةِ، وَهُوَ مِنْ وَرَاءِ الْإِضْلَالِ وَالْهِدَايَةِ، وَمِثْلُ هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَرِيقًا هَدى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ «1» . وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ اللَّهَ أَمَرَ جَمِيعَ عِبَادِهِ بِعِبَادَتِهِ، وَاجْتِنَابِ الشَّيْطَانِ وَكُلِّ مَا يَدْعُو إِلَى الضَّلَالِ، وَأَنَّهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فَرِيقَانِ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ،
وعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: كُنْتُ رِدْفَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حِمَارٍ، يُقَالُ لَهُ: عُفَيْرٌ، قَالَ: فَقَالَ: «يَا مُعَاذُ، تَدْرِي مَا حَقُّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ؟ وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ؟» قَالَ: قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «فَإِنَّ حَقَّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوا اللهَ، وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقَّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا أُبَشِّرُ النَّاسَ، قَالَ: «لَا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا» . (3)