فهرس الكتاب
الأبواب ومكنته من نفسها وهددته فوق ذلك، وهذه رسالة لممجدي الاختلاط ودعاة السفور ومن يقلب الحقائق لترويج الفاحشة وبعث الجاهلية. ونؤكد على خطر التقنية والإعلام الجديد في كثرة استخدامها، والجلوس معها لاسيما خلوة العزب من الفتيان والفتيات، وليحاول ألا يمكث بمفرده معها، وليعتدل في كل أمور في زينته ولباسه ومزاحه وحتى ورود أماكن الشهوة كالمسابح وغيرها، وكلما وجد في نفسه شيء من أي مثير فليفر منه فراره من الأسد. ومن المثيرات أيضًا البيئة المفسدة والصحبة المُغوية وهؤلاء لا ينكر عاقل أثرهم السيء، وفي هذا قد يورد البعض شبهة في أنه لا يصحب الصالحين؛ لأنه قد يكون ممارس للفاحشة أو واقع في حبائلها ويجعل هذا من التلاعب والتزييف، ونقول له: (إن مقارفة الرذيلة ممقوت بلا شك، ومن يجالس الصالحين الأخيار فهو أولى الناس باجتنابها ومفارقتها، ولكن: هل مفارقته للصالحين ستزيده قربًا من الرذيلة أم بعدًا عنها؟ وحين يفارقهم فهل سيزداد إيمانه أم ينقص؟ بل هل سيبقى ذاك الصوت الذي يلومه من داخله ويدفعه نحو التوبة أم لا؟ إن الشرع القويم، يدعو إلى خلاف ذلك فالمقصر المذنب حين يصاحب الصالحين يحشره الله معهم يوم القيامة؛ فحين سئل النبي عن رجل يحب القوم ولما يلحق بهم قال:"المرء مع من أحب"وهذا ليس دعوة إلى الاتكاء على هذا الحب وإهمال حظ النفس من صالح العمل؛ فالحب الصادق يدفع المرء إلى التأسي بمن يحب، والسير في طريقه. والمنطق السليم يقول لصاحبه بقاؤك مصاحبًا للصالحين حتى لو وقعت في التقصير خير من مفارقتك إياهم، وحين تفارقهم فلن يؤدي بك ذلك إلى التوبة والإقلاع، بل سيؤدي بك إلى استمراء السوء، وإلى مزيد من الارتكاس حمانا الله وإياك [1] .
2. (الروحي) أو المعنوي: ويتعين في مدافعة الخواطر القلبية السيئة ومقاومتها، وهذا هو الصراع الحقيقي والجهاد المصيري حتى حسن العاقبة أو سوءها نسأل الله حسن الختام، ولذا فعوارض الشهوة كثيرة لكن لا يسترسل المؤمن معها حتى ولو كلف نفسه الكثير؛ لأن الانحراف الطفيف ينتهي عادة بالانحراف الكامل. وأعجب بما قال ابن القيم في الفوائد لهذا المعنى: (من أراد صفاء قلبه فليؤثره الله على شهوته) ، وقال: (واعلم أن الخطرات والوساوس تؤدي متعلقاتها إلى الفكر فيأخذها الفكر فيؤديها إلى التذكر. فيأخذها الذكر فيؤديها إلى الإرادة، فتأخذا الإرادة فتؤديها إلى الجوارح والعمل، فتسحتكم فتصير عادة، فردها من مبادئها أسهل من قطعها بعد قوتها وتمامها) . إن صاحب الهوى بصيرته عمياء، جزع من صبر ساعة واحتمل ذل الأبد. وما كان المرء يستقبحه أولًا قد يرضى به مرةَ أخرى إذا تكرر وقوعه وذكره، وهذا لعمري يُعمم على سائر الذنوب لاسيما الفواحش التي قد تدخل قلب الإنسان شيئًا فشيئًا حتى تستولي عليه برمته. قال ابن القيم: (وينبغي أن يتمرن على دفع الهوى المأمون العواقب ليتمرن بذلك على ترك ما تؤذي عواقبه. وليعلم اللبيب أن مدمني الشهوات يصيرون إلى حالة لا يلتذون بها. وهم مع ذلك لا يستطيعون تركها، لأنها قد صارت
(1) "كيف تواجه الشهوة"لمحمد الدويش, ص 51.