الصفحة 179 من 242

كان للأزمة العقيدية التي عصفت بالسنيين ، أثر كبير في ظهور المدارس الطائفية المذهبية بين الطوائف السنية ، فأصبح لكل طائفة مدارسها و طلابها و شيوخها ، تُدرّس فيها مذهبها أصولا و فروعا ، و تنافست فيما بينها في بنائها و الإكثار منها ، بمساعدة و تشجيع من أرباب المال و رجال السياسة (1) ، فمن ذلك إن الوزير السلجوقي نظام الملك بنى مدارس للشافعية ،و بني السلطان صلاح الدين الأيوبي (ت589ه) مدارس للشافعية و المالكية و الحنفية ، و بني السلطان نور الدين محمود (ت569ه) مدارس للحنفية و الشافعية و الحنابلة و المالكية ،و بنى كل من الوزير عون الدين بن هبيرة (ت قرن: 6ه) ،و زوجة الخليفة المستضيء السيدة بنفشة (ت 558ه) مدرسة للحنابلة (2) .

و تُعد مدارس نظام الملك أشهر المدارس الطائفية المذهبية بالمشرق الإسلامي -خلال القرنين:5-6ه- ،و أكثرها قوة ،و تأثيرا ،و نشاطا ،و تعصبا ؛ فقد بنى للشافعية مدارس عديدة عُرفت بالمدارس النظامية ، في كثير من المدن ، كبغداد ،و مرو ، و بلخ، و البصرة ، و أصفهان ، و أشهرها نظامية بغداد الذائعة الصيت ، ذات النشاط العلمي المذهبي الأشعري الواسع ، لأنها وجدت المجال خاليا ،و المناخ ملائما لنشر فكرها و مهاجمة خصومها ، لغياب المنافسة من مدارس أهل الحديث، إذ لم أعثر لهم على أية مدرسة في القرن الخامس الهجري ، و الحنابلة لا تُعرف لهم مدرسة إلا في مطلع القرن السادس الهجري ، و هي مدرسة أبي سعد المخرمي البغدادي (ت513ه) (3) .

(1) انظر مثلا: عبد القادر النعيمي: الدارس في تاريخ المدارس .

(2) ابن الجوزي: المنتظم ، ج 10 ص: 203، 253 .و ابن كثير: البداية ، ج 12 ص: 296، ج 13 ص: 23، 61 . و محمد كرد علي: خطط الشام ، دمشق ، مطبعة الترقي، 1926 ، ج6 ص: 115 .

(3) الذهبي: السيّر ، ج 19 ص: 94 و ما بعدها، ج20 ص: 450 . و ابن كثير: المصدر السابق ، ج12 ص: 185 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت