فهرس الكتاب
و قد ذكر كثير من الباحثين المعاصرين إن نظام الملك بنى مدارسه لتوحيد المذهب السني ،و محاربة الشيعة ،و تكوين الموظفين الإداريين لتولي مناصب في الدولة (1) . و رأيهم هذا صحيح ، لكنهم لم يذكروا هدفا أساسيا آخر لا يصح إغفاله ، كان نظام الملك يسعى لتحقيقه ، هو نصرة المذهب الأشعري على حساب مذهب أهل الحديث ، و الدليل على ذلك الشواهد التاريخية الآتية ، أولها إن من شروط التدريس في المدرسة النظامية ببغداد إن يكون المدرس شافعيا (2) . و قد سبق أن ذكرنا إن معظم الشافعية كانوا أشاعرة ابتداء من النصف الثاني من القرن الخامس الهجري و ما بعده ، مما يُشير إلى إنها -أي المدرسة-كانت حكرا على الشافعية الأشاعرة ، هدفها خدمة مذهبهم .
و ثانيها إن طلاب نظامية بغداد كانوا يدرسون المذهب الأشعري ، و يقولون إن القرآن ليس كلام الله حقيقة، و إنما هو معنى قائم بالذات ، و ما الحروف و الأصوات إلا عبارة عنه (3) . و ثالثها إن بعض متكلمي و وعاظ الأشاعرة اتخذوا المدرسة النظامية منبرا لهم في الدعوة للأشعرية ،و مهاجمة الحنبلية ، كأبي نصر بن القشيري، و أبي بكر البكري المغربي الذي دخل بغداد سنة 475ه ، و معه كتاب من نظام الملك للتدريس بالنظامية ، و التكلم بمذهب الأشعري (4) .
(1) انظرمثلا: أسعد طلس: التربية و التعليم في الإسلام، ط1 ، بيروت ، دار العلم للملايين، 1957، ص: 32 . و عبد اللطيف حمزة: الحركة الفكرية في مصر ، ط 8 ، دار الفكر العربي، 1968، د م ن ، ص: 82 .
(2) اليافعي المكي: مرآة الجنان ، ج 4 ص: 24 .
(3) ابن رجب: الذيلأ ج 1ص: 121 .
(4) ابن الجوزي: المصدر السابق، ج 8 ص: 305 . و ابن أبي يعلى: طبقات الحنابلة ، ج 2 ص: 239 .و ابن رجب: الذيل ، ج 1ص: 25 .