الصفحة 204 من 242

و ختاما لهذا المبحث أشير هنا إلى جملة استنتاجات لها علاقة بما نحن فيه ، أولها إنه وجد قمع و إرهاب بين الأشاعرة و أهل الحديث ، فكان كل من تقوى على الآخر تسلّط عليه و أذله ، و فرض عليه فكره ، و منعه من التعبير عن رأيه بحرية .

و ثانيها إن الأشاعرة المتأخرين لم يستفيدوا من تجربة بعض كبار علمائهم في موقفهم من التأويل ، حين تخلّوا عنه ، و عادوا إلى مذهب السلف في صفات الله تعالى ، كالجويني الأب ،و ابنه أبي المعالي، و أبي حامد الغزالي ، فلو أنهم اتبعوهم فيما انتهوا إليه ، لضيّقوا الخلاف بينهم و بين أهل الحديث ، و صححوا مذهبهم في عدم إثباته للصفات الخبرية و تأويله لها ، لكنهم و للأسف الشديد لم يفعلوا ذلك ،و تجاوزوا تجربة هؤلاء و تناسوها ، كأنها لم تكن ، و أصروا على موقفهم من التأويل .

و ثالثا إن كلا من أهل الحديث و الأشاعرة يتحمل مسؤولية ما حدث بينهما من خلاف ، و نزاع ، و انشقاق ، و قتال ، مع اختلاف نسبة التحمل ، فمن الواضح إن الأشاعرة يتحملون القسم الأكبر من المسؤولية ، لأنهم هم الذين أظهروا الخلاف و عمقوه ، و شقوا صف أهل السنة ، و خالفوا مذهب السلف في مسائل عقائدية ، سبق التطرق لكثير منها ، . كما إن أهل الحديث فيهم من يتحمل قسطا من المسؤولية لأنهم بالغوا في إثبات الصفات اعتمادا على أحاديث غير صحيحة ، ظاهرها يُوهم التشبيه و التجسيم ، فساهموا بذلك في تطرّف معارضيهم ،و تعميق الأزمة العقيدية بينهما .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت