الصفحة 203 من 242

و رابعا إن الأزمة العقيدية بذاتها و آثارها ، لم تجد حلا صحيحا و نهائيا ، فقد ظلت قائمة منذ ظهورها إلى يومنا هذا ، تظهر آثارها جلية في أدبيات الجماعات الإسلامية المعاصرة ،و في المقررات الدراسية بالجامعات و المعاهد الإسلامية ، و في الشبكة العنكبوتية -الأنترنت- حيث نجد فيها العديد من المواقع ذات الطابع المذهبي الصريح و الخفي ، بعضها ينتمي إلى أهل الحديث ،و بعضها الآخر ينتمي إلى الأشاعرة و الماتريدية ، و كلهم في نزاع و صراع ،و سباب و شتم ، و تشنيع و تهويل و تبديع و تنافس ، كسبا للنفوذ ،و إلحاقا للأذى بالآخر ، فأصبحت هذه الشبكة مجالا للنزال و التفاخر ،و التفنن في الذم و عرض المثالب .

و خامسا إنها-أي الأزمة- أدت إلى انتشار التعصب المذهبي المذموم بين عامة الناس و خاصتهم ،و تميّز كل طائفة عن الأخرى باسمها و أتباعها ،و مدارسها و مساجدها ، و شيوخها و مؤلفاتها ، الأمر الذي أدى إلى إحداث اضطرابات فكرية و نفسية بين أهل العلم ، تجلّت بوضوح في ظهور شخصيات قلقة افتقدت القناعة العلمية و الاطمئنان الروحي ، كالذي حدث للجويني الأب ،و ابن عقيل ،و صدقة بن الحسين .

و أما عن إيجابيات الأزمة العقيدية-التي عصفت بالسنيين- فهي قليلة جدا - بالمقارنة إلى كثرة سلبياتها- و لعل أهمها: إقامة الدليل على أن العقل إذا ابتعد عن كتاب الله و سنة رسوله-عليه الصلاة و السلام- الصحيحة ،و أخطأ في التعامل معهما ، فإنه سيضل و يُضل ، و يفقد الاطمئنان النفسي و اليقين العقلي و القلبي معا . و الإيجابية الثانية هي إنها كانت سببا في ظهور مصنفات متميزة و قيمة للغاية ، جمعت بين صحيح المنقول ،و صريح المعقول، كمؤلفات أبي نصر السجزي، و ابن تيمية ،و تلميذه ابن قيم الجوزية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت