فهرس الكتاب
تركت الأزمة العقيدية -خلال القرنين:5-6- آثارا سلبية كثيرة على أهل السنة ، اجتماعيا و فكريا و سياسيا ، فمن ذلك أولا أنها قسمتهم إلى طائفتين متنازعتين متصارعتين ، هما: الحنابلة و أهل الحديث ،و يُعرفون أيضا بالسلف ، و الأشاعرة و الماتريدية ، و يُعرفون أيضا بالخلف ، مخالفين بذلك الشرع الحكيم الذي أمرهم بالوحدة و الإخاء و التعاون ،و حذّرهم من التنازع و التفرّق و التناحر .
و ثانيا إنها -أي الأزمة-أدخلت السنيين في نزاع فكري عقدي حاد ،و مواجهات دامية - سبق ذكرها- قُتل فيها خلق كثير من الطرفين ، كما حدث في فتنتي 469ه، و 470ه ، ببغداد .
و ثالثا إنها أدت إلى ظهور مدرستين مذهبيتين متميزتين متنافرتين ، لكل منها رجالها ،و منهجها ، و خصائصها ، و تراثها العلمي في العقائد ، الذي كان غزيرا ، غلب عليه التعصب و النزاع العقيدي الحاد ، الممزوج بالتكفير و التضليل ،و التبديع و التفسيق ، و المبالغة في الانتقاد ، و استخدام المصطلحات الشنيعة و المذمومة في وصف الخصم ، كمصطلح المشبهة ،و المجسمة ، و الحشوية، و المعطلة ،و الجهمية .
و رابعا إنها -أي الأزمة - تمخّضت عن تحقيق الأشاعرة لانتصار سياسي كاسح ، بالمشرق الإسلامي و مغربه، على حساب أهل الحديث ، الذين هم بدورهم لم يستسلموا و ظلوا يُقاومون بكل طاقتهم ، بصفتهم معارضة فاعلة وحيدة في وجه الأشعرية ، طيلة قرون عديدة بالمشرق الإسلامي دون مغربه، الذي اختفى فيه مذهبهم -أي اهل الحديث- على يد الموحدين .