فهرس الكتاب
و تأثر أيضا بقول الأشاعرة في مسألة تقبيح العقل و تحسينه للأشياء (1) ، فقال إنه لا مجال للعقل في تحسين شيء من المحسنات ،و لا تقبيح شيء من المقبحات ، و إنما يُعلم ذلك من الشرع (2) . و قوله هذا ليس صحيحا على إطلاقه ، فإذا كان العقل يعجز عن تقبيح و تحسين أشياء كثيرة ، فإنه من جهة أخرى يستطيع تحسين و تقبيح أشياء أخرى كثيرة أيضا ، فالعقل يُقبح الظلم ،و السرقة، و الكذب ، و يُحسن العدل و الصدق ، و الوفاء و التعاون ، و هو في ذلك يتفق تمام الاتفاق مع الشرع ، كما أنه -أي العقل- في مقدوره التمييز بين الأنبياء الصادقين ،و بين أدعياء النبوة ، و لو لم يكن في مقدوره التحسين و التقبيح ، لما كانت أية فائدة من مخاطبة الله تعالى لعباده في كتبه ،و أمرهم بتدبرها و تفهّمها و تطبيقها .
كما أنه-أي أبو يعلى الفراء- وافق الأشعرية في نفيها لحكمة الله تعالى في مخلوقاته (3) ؛ مما يدل على أنه كان مضطربا يفتقد إلى الرسوخ في هذا الأمر ، تتجاذبه الأشعرية من جهة ، و الحنبلية من جهة أخرى فيما يخص بعض مسائل أصول الدين .
(1) الأشاعرة يقولون بعدم تحسين العقل و تقبيحه للأشياء ، و الأمر كله يرجع للشرع . أنظر: السجزي: رسالة السجزي، ص: 29 . و الحوالي: منهج الأشاعرة في العقيدة ، ط1 ، الجزائر، الدار السلفية ، 1990 ، ص: 62 .
(2) أبو يعلى الفراء: المعتمد في أصول الدين ، بيروت ، دار المشرق، 1973 ، ص: 22 .
(3) ابن تيمية: مجموع الفتاوى ، ج 8 ص: 37 .