الصفحة 418 من 474

أوريا (1) ، بينما حددها نابليون بمصر، وبعده ومثله قال أندريه زيجفريد: وقل لي من يسيطر على قناة السويس، أقل لك من يسيطر على العالم). لا، وليس صدفة كذلك أن المعارك الفاصلة المصيرية في الحربين العالميتين الأخيرتين حدثت في شرق أوربا وفي الشرق الأوسط ابتداء من الجبهة الشرقية، إلى و الحملة التركية، ومن ستالينجراد إلى العلمين.

والمنطقة بعد هذا وفي مجموعها أقل مساحة وسكانا وقوة، وأكثر تمزقا وتفتتا سياسيا، من أي من القوى القطبية. وهي من ثم في موقف هجومي أو دفاعي ضعيف، محصورة بين فکي کاشة أو بين شقي رحى. وقد يبدو من هذا لأول وهلة أن التبعية والعجز قدرها الجغرافي والتاريخي، وأنها ضحية موقعها المتوسط، وأن دورها الاستراتيجي لا يمكن أن يزيد عن دور الدول الحاجزة التصادمية التقليدي.

لكن الحقيقة أن نفس هذه الخصائص وذلك الموقع يمكن أن تكون عامل قوة لهذه المنطقة إذا ما جمعت قواها في تكتلات أو قطاعات اقليمية كبيرة، فحينئذ يمكن لها أن تلعب دورا مختلفا تماما. ويمكن من هذه الزاوية أن نقسم دور هذه المنطقة عبر التاريخ إلى ثلاثة: إما خط خمود سياسي، وإما منطقة رهو سياسي، وإما خط استواء سياسي.

خط خمود، حين تسقط لإحدى القوتين البرية أو البحرية. وفي الأغلب الأعم كان شرق أوربا بحكم الموقع وطبيعته السهلية من نصيب القوى البرية، بينما كان الشرق الأوسط من نصيب القوى البحرية. فمنذ فجر التاريخ وشرق أوربا تكتسحه موجات الرعاة المتواترة أبدا، ومنذ ظهرت الروسيا وكل تاريخ دويلات البلطيق وبولندا وبروسيا وإلى حد ما الدانوب والبلقان لا ينفصل عنها إما بالخضوع الفعلي أو التهديد، الشکلي. وكل مأساة بولندا في التاريخ من تقسيم متكرر، بل وزوال أحيانا، لا يخرج تفسيرها عن هذا. وشرق أوربا اليوم ملتحم التحاما عميقا مع الهارتلاند.

أما الشرق العربي فقد كان مستعمرة واحدة كبرى للاستعمار البحري منذ القرن التاسع عشر، وكان هذا بشدد قبضته عليه بشراسة وضراوة، خاصة بحكم حيوية وخطورة موقعه كالطريق الحقيقي الوحيد إلى مستعمراته الساحلية في الشرق الأقصى.

(1) الجيوپولتيکا، ج 1، ص 180.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت