الصفحة 416 من 474

بينية بموقعها بين قوى البر شرقا والبحر غريا، وتمثل بطبيعتها وبيئتها منطقة انتقال بينها تجمع بين الصفة البحرية والبرية بدرجات متفاوتة. وهي استراتيجيا منطقة ارتطام وجيهة تصادم بين تلك القوى القطبية ومن ثم أرض المعركة الحتمية بينهما، فلا يستطيع أي منها أن يصل إلى الآخر ويضربه إلا بالمرور على هذا الجسر الأمني.

ونحن نحدد هذه الوحدة الاستراتيجية بنطاق يشمل ألمانيا وشرق أوربا والبلقان في عدا اليونان، ثم الشرق الأوسط بما فيه تركيا وإيران والمشرق العربي، كما نجد له امتدادات في الشرق الأقصى بين السواحل والداخل. فهي إذن أشبه بقوس أو هلال يحيط بالهارتلاند وتحيط به القوى البحرية، أي أنها تتوسطها. ولعل مما له مغزاه أن تكون إحدى الحلقات الهامة في هذا النطاق، الأوسط في الشرق الأوسط. بل لعل هناك أكثر من صدفة في أن ماكيندر يطلق على شرق أوربا والبلقان وما في تخومه من منطقة الارتطام في أوربا اسم و الشرق الأوسط الأوربي، (1) ، تأكيدا لفكرة الارتطام اللتأصلة في الموقع المتوسط.

وفي هذا الموقع المتوسط تكمن شدة خطورة المنطقة - منطقة الارتطام - ودور الجسر بالنسبة لكل من قوى البر والبحر واهتمامها بها أو بالسيطرة عليها، وفي الواقع أن كل تاريخ الصراع بين البر والبحر هو محاولة التحكم في هذه المنطقة بالذات، فهي تمسك زمام الموقف بين القوى القطية ويمكن أن ترجح كفة على الأخرى، وبالتالي فإن مصيرها في النهاية هو الذي يحدد مصير الصراع بين الهارتلاند والسواحل.

ولا شك أن هناك قطاعات معينة من هذا النطاق تمتاز بموقعها وبطبيعتها بقيمة استراتيجية حرجة، ولعل أهمها هو شرق أوربا في الشمال والشرق الأوسط في الجنوب. وليس صدفة بالتأكيد أن معظم من حاولوا البحث عن أخطر المواقع الاستراتيجية في العالم - أيا كانت صحة آرائهم - وضعوها في هذا النطاق أولا، وفي هذه القطاعات منه بالذات ثانيا.

مثلا كان تاليران يرى أن أخطر نقطة استراتيجية في العالم هي مصب الدانوب (2) (3) ، وكان بسمارك يضعها في بوهيميا، من سيطر عليها سيطر على وسط أوربا ثم على

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت