فهرس الكتاب
الحضاري وقوته العسكرية متواضعة ونفس الحركة البشرية محدودا، لم يكن هذا التناقض يشكل تهديدا خطيرا للقوى البحرية، فكان يكفي في القرن الثامن عشر مثلا أن تتصدى للهارتلاند دولة بحرية واحدة كفرنسا أو بريطانيا، وفي القرن التاسع عشر كان يكفي دولتان بحريتان كفرنسا وبريطانيا معا.
ولكن حين وصل الهارتلاند إلى قمة القوة، كما هو الحال الآن، أصبح مجموع القوى البحرية يمثل شقة مساحية ضئيلة بالنسبة لمساحة الهارتلاند، تفتقد ميزة الدفاع بالعمق، وتعاني من التعدد السياسي. وهي إذا كانت بفضل موقعها البحري في موقف هجومي حر، فإنها في موقف دفاعي ضعيف. يضاعف من هذا أن غرب أوربا كدول بحرية لا تملك جيوشا برية كبيرة، بينما الاتحاد السوفييتي كقوة بر يملك أضخم جيش برى في العالم.
هنا تحتم على الدول البحرية أن تتحد جميعا في وجه الهارتلاند، بل أن تلجأ إلى سند أقوى على الجانب الآخر من المحيط هو الولايات المتحدة، التي هي أصلا امتداد بشرى لغرب أوربا مثلما هي تكملة جغرافية للقوة البحرية. ومن هنا نجد أن حلفا کالأطلنطى ليس في الحقيقة إلا جاع القوى البحرية في غرب أوربا بالاضافة إلى الولايات المتحدة. وما الحديث الملتهب اليوم عن ا وحدة أوريا، اقتصاديا، أو سياسيا، أو اقتصاديا وسياسيا، إلا رد فعل مباشر لهذا التناقض المزمن بين وحدة قوة البر في جانب وتفتت القوة البحرية في جانب آخر.
وعدا هذا، فإن الاستعمار إذا كان من أسباب قوة وتفوق الدول البحرية حينا فهو نقطة ضعف كامنة فيه في النهاية، فكاسب المستعمرات المغتصبة موقوته بالضرورة، ورهن ببقاء هذا الاستعار. وإذا ما توقف تدفقها أو ضاعت فإن القوى البحرية ستجد الأرض وقد سحبت من تحت أقدامها وانكمشت قاعدتها الجغرافية والمادية الاقتصادية. ويكون عليها أن تنكفيء على مواردها الذاتية المباشرة التي لا تقارن بموارد الهارتلاند. وهذا ما حدث الآن بالفعل بعد ذوبان الاستعمار. فلم تعد غرب أوربا في مجموعها بند للاتحاد السوفييتي، ولولا قوة الولايات المتحدة من ورائها لما صمدت في الصراع
الجديد.
المنطقة البيئية هذا فيما يختص بالهارتلاند والسواحل البحرية، الفيل والحوت، وتبقى أخيرا منطقة الارتطام أو التمساح ... هذه هي ما دعونا فيا مضى بالمنطقة البينية، وهي جغرافيا