وعموما فإن أساليب التحايل تطفح بشكل ظاهر من عملية الدعاية، التي تعتمد طرق المراوغة والتلاعب والمخاتلة والتدليس والكذب إلى أقصى حد. فمنذ المنشأ تتطابق الدعاية مع ما سبق ذكره من قواعد التحايل وأسسه، إذ إنها تطلب من القائم بالدعاية أن يقف وقوفا جليا على قوة عقل الشخص المستهدف، ودرجة تحمله، والعادات الراسخة لديه، ورغباته وحاجاته، وأفضلياته مرتبة تنازليا، ومدى إمكانية تغييره جذريا، وأقرب الطرق لكسبه، والفترة اللازمة لإخضاعه لتأثير الدعاية
فالدعاية ترمي بالأساس إلى السيطرة على فرد أو جماعة أو شعب معين، ولذا فإنها مجبولة على استخدام المراوغة إلى أقصى حد، لأن هذه الطريقة بوسعها أن تقنع الفرد بالدخول في حيز الدعاية، والتهيؤ النفسي والعقلي لتقبلها، بمنحه بعض المبررات والأسباب التي تجذبه إلى الامتثال للقائمين بالدعاية، أو الذين يستهدفونه ما يعزز احتمالات الحصول على ولاء من تستهدفه الدعاية، أو دفعه إلى تبني الخطاب الذي يبثه القائم بالدعاية. ويصل نجاح الدعاية إلى ذروته حين يردد أفراد المجتمع المستهدف الأقاويل نفسها التي يطلقها من يستهدفونه، وكأنها أفكارهم الذاتية، التي تنبع من عقولهم الخالصة، وإراداتهم الحرة.
إن القائم بالدعاية يشبه الساحر أو (الحاوي) الذي يجذب انتباه المتفرجين إلى شيء ليعميهم عن شيء آخر يقصده ويرعاه ويتبناه ويقيم عليه أهدافه. وهذا السحر يتبع طريقتين رئيستين، الأولى هي «التكثيفه الذي ينطوي على إظهار الجوانب الإيجابية
في المسألة محل الدعاية سواء تعلقت بشخص أم بفكرة، عبر أساليب فنية عدة منها استخدام الصور الذهنية، واستبدال الأسماء والمصطلحات، والانتقائية، والكذب المستمر، والتكرار، والتأكيد، ومعرفة العدو وتحديده، والاستناد إلى السلطة والقوة، والارتباط الكاذب، وتزكية غريزة اتباع الغير، والتماثل أو التشبيه بالغير، والطريقة الثانية هي «التقليل» حيث يسعى القائم بالدعاية إلى الحط من شأن أشياء وأفكار وأشخاص محددين، عبر الحذف، وتحويل الانتباه، والالتباس أو خلق حالة من الارتباك والاضطراب في عقل الفرد أو الجماعة التي تستهدفها الدعاية.