الصفحة 156 من 297

يذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منهم، وإن اقترب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا، وإن اقترب إلي ذراعا اقتربت إليه باعا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة ".

هذا حديث قدسي رواه الشيخان وغيرهما، وهو من كلام الله - وفيه إثبات أن لله نفسا في قوله: " فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي " وهذا هو الشاهد من الحديث، وقوله: " وأنا معه حين يذكرني " فيه إثبات المعية لله، صفة أخرى أيضا، في إثبات النفس لله وإثبات المعية، وهذه معية خاصة؛ لأن المعية نوعان: معية عامة ومعية خاصة، المعية العامة هي معية الله لجميع الخلق، فالله -تعالى- مع خلقه بإحاطته وباطلاعه ونفوذ قدرته ومشيئته، ورؤيته لهم من فوق عرشه، وسمعه لكلامهم، هذه المعية العامة، ومقتضاها الاطلاع والإحاطة وتأتي في سياق المحاسبة والمجازاة والتخويف لقوله سبحانه: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [1] تأتي في سياق المحاسبة والمجازاة، وقوله سبحانه: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (( (} [2] وقوله سبحانه: {إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ} [3] وهو معهم هذه معية عامة، وتكون للمؤمن والكافر عامة، المعية العامة تكون للمؤمن والكافر، ومقتضاها الاطلاع والإحاطة، وتأتي في سياق المحاسبة والمجازاة والتخويف.

أما المعية الخاصة فهي خاصة بالمؤمن خاصة بالمؤمنين معيته سبحانه مع الصابرين قوله: {وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (( (( } [4] وتكون للمتقين {أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (( (( (} [5] مع المقسطين {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (( (( (} [6] مع المتقين ومع المحسنين، ويكون مع الذاكرين كما في هذا الحديث: " وأنا معه حين يذكرني " هذه معية خاصة للذاكرين، فهي خاصة بالمؤمن ومقتضاها النصر والتأييد والحفظ والكلاءة، وتأتي في سياق المدح والثناء وكقوله - {لَا تَحْزَنْ إِن اللَّهَ مَعَنَا} [7] لما كان النبي - في الغار هو وأبو بكر يوم الهجرة، أبو بكر قال يا رسول الله:"لو أن أحدهم نظر إلى موضع قدميه لأبصرنا"فقال النبي - له: {لَا تَحْزَنْ إِن اللَّهَ مَعَنَا} [8] " ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما " وهذه معية خاصة وكقوله سبحانه لموسى وهارون: {إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (( (( } [9] {قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (( (( } [10] فلما دخل فرعون معهم في الخطاب جاءت المعية العامة {إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (( (( } [11] فلما دخل فرعون معهم في الخطاب جاءت المعية العامة {إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (( (( } [12] ولما انفرد موسى وهارون انفردت المعية الخاصة {إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (( (( } [13] .

هذه المعية الخاصة وهو مع المتقين ومع المحسنين ومع الصابرين، ومع الناس كلهم بعلمه وإحاطته، ومع المتقين ومع المحسنين ومع الصابرين بعونه ونصره وتأييده وتوفيقه وتسديده، ومع الناس كلهم باطلاعه وإحاطته وهو فوق العرش -سبحانه وتعالى-، لا منافاة بين المعية وبين الفوقية لا منافاة، لأن المعية ليس معناها الاختلاط والامتزاج المعية في لغات العرب يعني: مطلق المصاحبة.

أما أهل البدع كالجهمية والمعتزلة وغيرهم فإنهم ضاقت صدورهم وضاقوا ذرعا في الجمع بين النصوص، وضربوا النصوص بعضها ببعض -نعوذ بالله-، فأبطلوا نصوص الفوقية والمعية التي تزيد نصوص الفوقية والعلو التي تزيد على ثلاثة آلاف دليل من نصوص المعية.

وقالوا: إن المعية توجب الاختلاط والامتزاج، وأن الله مع الخلق مختلط بهم، وأنكروا نصوص الفوقية والمعية والعلو، وهذا من جهلهم وضلالهم وانحرافهم وزيغهم واتباعهم الهوى، فالحديث فيه إثبات المعية الخاصة وهي معية مع الذاكرين " وأنا معه حين يذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منهم " وهم الملائكة وقوله في آخر الحديث: " وإن اقترب إلي شبرا اقتربت

(1) - سورة المجادلة آية: 7.

(2) - سورة الحديد آية: 4.

(3) - سورة النساء آية: 108.

(4) - سورة الأنفال آية: 46.

(5) - سورة البقرة آية: 194.

(6) - سورة النحل آية: 128.

(7) - سورة التوبة آية: 40.

(8) - سورة التوبة آية: 40.

(9) - سورة طه آية: 46.

(10) - سورة طه آية: 46.

(11) - سورة الشعراء آية: 15.

(12) - سورة الشعراء آية: 15.

(13) - سورة طه آية: 46.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت