الصفحة 162 من 297

وأجمع أهل الحق، واتفق أهل التوحيد والصدق أن الله -تعالى- يُرى في الآخرة، كما جاء في كتابه، وصح عن رسوله - قال الله - {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (( (( } [1] .

وروى جرير بن عبد الله البجلي - رضي الله عنه - قال: " كنا جلوسًا ليلة مع رسول الله - فنظر إلى القمر ليلة أربع عشرة فقال: إنكم سترون ربكم - كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا، ثم قرأ: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (( (( } [2] " وفي رواية: " سترون ربكم عيانًا ".

نعم انتقل المؤلف -رحمه الله- إثبات صفة الرؤية، وصفة الرؤية من الصفات التي اشتد فيها النزاع بين أهل السنة وبين أهل البدعة، وهي من العلامات الفارقة بين أهل السنة وبين أهل البدعة، وقلت لكم: إن هذه الصفات مثل صفة العلو وصفة الرؤية وصفة الكلام، هذه الصفات الثلاث اشتد في هذا النزاع بين أهل السنة وبين أهل البدع، وهي من العلامات الفارقة بين أهل السنة وبين أهل البدع، فمن أثبتها فهو من أهل السنة، ومن نفاها فهو من أهل البدع، صفة العلو صفة الكلام صفة الرؤية هذه الثلاث ينكرها الجهمية والمعتزلة والأشاعرة، الأشاعرة يثبتون الرؤية لكن ما يثبتونها على وجهها يثبتونها في غير جهة، الأشاعرة يقولون: إن الله يرى لكن من أين يرى؟ من فوق؟ يقولون: لأ، من تحت؟ لأ، أمام؟ لأ، خلف؟ لأ، يمين؟ لأ، شمال؟ لأ، أين يرى؟ لا في جهة هل هذا معقول؟ لا يعقل؛ ولهذا أنكر جمهور العقلاء على الأشاعرة، وضحكوا منهم وقالوا: كيف تثبتون الرؤية بدون مقابل؟ ما في رؤية إلا مقابلة الرؤية، لا بد لها من مقابلة للمرئي، فكيف تثبتون الرؤية ولا تثبتون المقابلة، قالوا: هذا باطل بداهة، العقول تنكر هذا؛ لأن الأشاعرة الآن مذبذبون لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، هم يريدون أن يكونوا مع أهل السنة في إثبات الرؤية، ويريدون أن يكونوا مع المعتزلة في نفي الجهة ونفي العلو فلم يستطيعوا، فأثبتوا الرؤية ونفوا العلو.

ولهذا ألزمهم سلط عليهم المعتزلة وألزموهم قالوا: أنتم الآن مذهبكم مذبذب غير معقول غير متصور، فأنتم بين أحد أمرين، فإما أن تثبتوا العلو مع الرؤية فتكونوا أعداء لنا مثل أهل السنة، وإما أن تنفوا الرؤية فتكونوا أصحاب لنا فتكونوا معنا، أما أن تكونوا هكذا مذبذبين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، هذا غير معقول وغير متصور، وكذلك الكلام أثبته الأشاعرة لكن ما أثبتوه على وجهه، الكلام يقولون هو معنى قائم بالنفس، مثل العلم ما في حرف ولا صوت الكلام في نفسه كما أن العلم في نفسه فالكلام في نفسه، كيف تكلم؟ كيف يعرف الكلام؟ قالوا: اضطر جبريل اضطرارا، ففهم المعنى القائم بنفسه فتكلم بهذا القرآن، هذا الكلام كلام جبريل، اضطره الله اضطرارا ففهم ما في نفسه فعبر عنه، جعل الله أخرس نعوذ بالله.

ومنهم من قال الذي عبر عنه محمد - لا جبريل، ومنهم من قال: أخذه جبريل من اللوح المحفوظ، إذن ما أثبتوا الكلام على وجهه، والعلو أنكروه، بهذا يتبين أن الرؤية ما أثبتها هؤلاء الطوائف الثلاث الجهمية والمعتزلة والأشاعرة، فإنها العلامات الفارقة بين أهل السنة وبين أهل البدعة، أجمع عليها أهل السنة؛ ولهذا قال المؤلف -رحمه الله-: وأجمع أهل الحق، واتفق أهل التوحيد والصدق أن الله -تعالى- يُرى في الآخرة، قال -رحمه الله-: وأجمع أهل الحق، واتفق أهل التوحيد والصدق وهم أهل السنة والجماعة، وهم الصحابة وهم الرسل والصحابة والتابعون والأئمة وأتباعهم ومن بعدهم من أهل السنة والجماعة إلى يوم القيامة، اتفقوا على إثبات الرؤية أهل الحق، وخالفهم أهل الباطل وأجمع أهل الحق، واتفق أهل التوحيد والصدق أن الله -تعالى- يُرى في الآخرة، كما جاء في كتابه، وصح عن رسوله -.

أما الكتاب استدل المؤلف -رحمه الله- بقول الله - {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (( (( } [3] {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (( (( } [4]

(1) - سورة القيامة آية: 22 - 23.

(2) - سورة ق آية: 39.

(3) - سورة القيامة آية: 22 - 23.

(4) - سورة القيامة آية: 22.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت