فهرس الكتاب

الصفحة 116 من 132

أدلتهم التي يعتبرونها قطعية. وإذا تعارض القطعي عندهم مع الظني قدم القطعي. حيث انهم دائمًا يقدمون ما يثبته العقل على ظواهر الشريعة. فهم بذلك متفقون مع الأشاعرة في تأويل النصوص، إلا أن الأشاعرة لا يرون قدم العالم انه لازم وانه عقلي.

وأما الخطأ فلأنهم أثبتوا خلاف ظاهر النص الصريح. وبالتالي لا أرى لازم الإمام الغزالي في انهم كذّبوا الرسول أو اتهموه بالكذب وبالذات في هذه المسألة. وأنا في هذا الأمر إنما أعمل بنصيحة الإمام الغزالي نفسه حيث يقول:

"وأما الوصيّة: فأن تكف لسانك عن أهل القبلة ما أمكنك ما داموا قائلين: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، غير مناقضين لها، والمناقضة تجويزهم الكذب على رسول الله بعذر أو بغير عذر، فان التكفير فيه خطر والسكوت لا خطر فيه" [1] . فإذا كنت لا أرى لزوم الكذب في هذه المسألة، فالأصل ان أكف لساني عنهم، أعمالا لنصيحة الإمام الغزالي _ رحمه الله _ نفسه. وخاصة ان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول:"إذا قذف أحد المسلمين صاحبه بالكفر فقد بآء به أحدهما" [2] .

وفي معنى هذا الحديث يقول الإمام الغزالي:"معناه ان يكفره مع معرفته بحاله، فمن عرف من غيره انه مصدق _ لرسول الله صلى الله عليه وسلم _ ثم يكفره، فيكون المكفر كافرًا، فأما ان كفره لظنه انه كذب رسول الله فهذا غلط منه ... إذ قد يظن به انه كافر وليس كذلك، وهذا لا يكون كفرًا" [3] .

نلاحظ من خلال تفسير الإمام الغزالي للحديث، كأنه يعتذر لنفسه في تكفيره الفلاسفة، بدعوى تكذيب الرسول بحسب ظنه ان قولهم يلزم منه ذلك. وقد تابع الإمام الغزالي في تكفير القائلين بقدم العالم علماء كثر، حتى عد إجماعًا تجوّزا. وأما رأي الإمام ابن تيميّة: فهو موافق على تكفير القائلين بقدم العالم معتبرًا ذلك من الإجماع الذي يؤخذ به في هذه القضية وسيأتي بيان تفصيل موقفه لاحقًا.

مناقشة دعوى الإجماع على تكفير القائلين بقدم العالم الزماني:

(1) الغزالي، أبو حامد محمد، (فيصل التفرقة) ، ص 73.

(2) رواه البخاري. انظر، العسقلاني، ابن حجر احمد، (فتح الباري) ،ج 10،ص 514،حديث رقم 6103،كتاب 78، باب 73.

(3) الغزالي، أبو حامد محمد، (فيصل التفرقة) ، ص 91.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت