لقضاء الحاجة من شدة الخوف.
قال تعالى: {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (12) وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (13) وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا (14) وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا (15) } الأحزاب: 12 - 15
ولما عاد النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بالفتح المبين (صلح الحديبية) الذي كان فاتحةَ خيرٍ للدعوة الإسلامية قال زعيمُ النفاق عبد الله بن أبي بن سلول:"أيظنُّ محمدٌ أنه إذا صالح أهل مكة أو فتحها لا يبقى له عدو؟ فأين فارس والروم!"، وكانوا قد أشاعوا حين خروج النبي - صلى الله عليه وسلم - بأصحابه قاصدا البيت الحرام: أن محمدًا خرج ولن يعود!
قال تعالى: {بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا (12) } الفتح: 12
وعندما عاد جيش المسلمين من غزوة بني المصطلق أشاعوا الفتنة بين الصفوف، وأوقعوا بين المهاجرين والأنصار وبين الأوس والخزرج وبين الحضر والبدو كما هو حالهم في كلِّ زمانٍ، كما أذاعوا حديث الإفك الذي اختلقوه في المدينة؛ فاتهموا الصدِّيقة بنت الصديق حبيبة حبيب الله عائشة رضي الله عنها، وأنزل الله براءتها آياتٍ تتلى في سورة النور.
إنهم لا يضمرون للمؤمنين إلا الشر , ولا يريدون بهم سوى الهزيمة , ولا يتمنون للدعوة غلبةً ولا ظهورا , فكان لابدَّ من كشفِ هذه النفوسِ وعرضِها عاريةً على المؤمنين؛ حتى لا يُخْدَعَ بهم مؤمنٌ، ففي كلِّ مرة وعند كلِّ واقعةٍ يلاحقهم القرآن الكريم ويقرعهم بالتوبيخ والزجر، فمنهم من تاب وأصلح ومنهم من هلك على نفاقه ..
"فلم يترك القرآن الكريم من أخبار المنافقين في عصر النبوة إلا القليل النادر الذي لا أهمية له، بل إن القرآن قد ذكر من أخبارهم ما لم يذكره المؤرخون عنهم لكون الكثير من أخبارهم أسرارا كانوا يخفونها عن المؤمنين" [1] .
جاءت سورة المنافقين لتفصِحَ لنا عن خبايا المنافقين، وتنشر صفحةً أخرى من تاريخهم الذي يفضح ما انطوت عليه نفوسهم الخبيثة ومعادنهم الخسيسة، إلى أن تختمَ السورةُ الكريمةُ بتحذير المؤمنين من الاغترار بزينة الدنيا ومتاعها والتعلق بحطامها والانشغال بها عن طاعة الله وعبادته؛ شأن المنافقين الغارقين في خضم الأوهام.
(1) - المنافقون في القرآن الكريم، د عبد العزيز عبد الله الحميدي ص 10