الصفحة 2 من 24

بسم الله الرحمن الرحيم

تكشف لنا هذه السورة الكريمة عن عدوٍّ ماكرٍ، يتخللُ الصفَّ المسلمَ متظاهرا بالإسلام، وقد أضمر الكفر بين جوانحه، وتغلغل الحقدُ في أحشائه، لكن الجبنَ يحولُ بينه وبين إفشائه، ويدفعه إلى الخداع والتدليس، ويبرِّرُ له التمويه والتلبيس، كيدًا لدين الحقِّ، وخداعا لأهله الأصفياءِ الأنقياءِ.

إن المنافقين في أيِّ مجتمعٍ كالسرطان، يسرِي في الجسد , ينفثون سُمَّهم الزُّعاف في زمن المحن والبلاء , ويكشِّرون عن أنيابهم أوقاتَ الكرب والضيق , فهم في السراء عالةٌ , وفي الضراء سوسٌ ينخر في العظام , يدَّعون الإيمان , ويحسِّنون الأقوال , وربما ساعدهم في ذلك ذلاقة ألسنتهم، وحسنُ هيئتهم، وبراعةِ تصنُّعهم.

يبررون الضعف , ويخرجون من كل موقف بعذرٍ , ولهم بين المؤمنين سماعون لهم , قد انخدعوا ببريق أقوالهم، ووثقوا بغليظِ أيمانهم، ولكم صوبوا من سهامٍ مسمومةٍ، ولكم وجَّهوا من ضرَبَاتٍ داميةٍ، وطَعَنَاتٍ غائرة! ولكن:

قد يحصدُ الطغيانُ بعضَ ثِمَارِهِ لكنَّ عُقْبَى الظالمين دَمَارُ

ففي يوم بدرٍ: غمزوا المؤمنين بقولهم:"غرَّ هؤلاء دينُهم"، فخيَّب النصرُ المبينُ آمالَهم وكذَّب ظنونهم وبدَّد أحلامهم.

قال تعالى: {إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (49) } الأنفال: 49.

وفي غزوة أحد: رجع كبيرُهم عبدُ الله بنُ أبيّ بنِ سلولٍ بثُلُثِ الجيش مُغْضَبًا؛ بحجةِ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يرجع إلى قوله، وأثار الفتنة، وقال هو وأصحابه: لو نعلم اليوم قتالا لاتبعناكم، ولكنا لا نراكم تقاتلون اليوم!

قال تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (166) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (167) } ... [آل عمران: 166 - 167] .

ولما احتشد الأحزابُ حول المدينة واشتدَّ الخطبُ على المسلمين: مارسَ المنافقون دورَهم في تخذيلِ المؤمنين , واستغلوا الموقف في التشكيك وبلبلة الصفوف , وقال بعضهم: يعدُنا محمدٌ فتح فارس والروم وأحدُنا لا يقدرُ أن يتبَّرز؛ فَرَقًا! أي لا يجرؤ على الخروج إلى الخلاء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت