الصفحة 21 من 51

وغيرها من مطولات الأصول. وعبارة المسوَّدة: مما يرجح فيه الخبر ويقدم أن يعتضد بعموم كتاب أو سنة أو قياس أو معنى عقلي.

وقد ذهب كثير من أئمة الأصول إلى أن الحديث المتلقى بالقبول يفيد العلم، والحديث الذي عضده عمل الصحب، وكذا ما اختلفوا فيه بين آخذٍ ومؤوّل، وما يوافق آية من كتاب الله تعالى، أو قاعدة وأصلًا من أصول الدين والمعرفة، أو يوافق مشروعًا موافقة تصحِّح المشابهة بينهما (كما تراه في جمع الجوامع وغيره، ومطوَّلات مصطلح الحديث) .

إذا تقرّر هذا فحديث الجوربين مما تلقي بالقبول [1] ، وعضده عمل الصحب عليهم رضوان الله، ووافق آية (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) (المائدة: من الآية 6) على قراءة الجر والنصب إذا رجعت إليه، ويندرج تحت قاعدة رف الحرج، ويوافق مسح الخف، وجميع هذا مما يصحح المروي أيما تصحيح. وبالجملة فقد اجتمع في حديث الجوربين الصحتان معًا: صحته من حيث السند كما صرح به الترمذي وابن حبان وكما حققناه من درء الشذوذ المزعوم فيه، وصحته من غير السند وهي الأمور التي سردت الآن، ومتى صح الحديث فليس إلا السمع والطاعة.

وأما قول الإمام النووي: إنه لو صح يحمل على الذي يمكن متابعة المشي عليه جمعًا بين الأدلة، فمطلوب البيان من جهة الجورب، فأين الدليلعلى اشتراط أن يمكن تتابع المشي عليه فيه؟ ومعلوم أن الجوارب غير الخف ولكل حكمه، وإذا أطلق الدليل في الأصول فلا ينصرف إلا إلى الكتاب والسنة وما رجع إليهما، ولا تعارض إلا بين دليلين متكافئين، وهناك يتلمس الجمع وإلا فإن المدار على الأقوى فالأقوى اتفاقًا، وليس في الباب إلا إطلاق الجوربين وعموم التساخين في حديثهما.

وأما قوله: وليس في اللفظ عموم يتعلق به، فيقال فيه: هذا إشارة إلى ما ذكر في الأصول من أن الفعل المثبت لا عموم له، فحكايته لا تقتضي العموم، لا للأقسام، ولا لجهات الوضع، ولا للأزمان.

إلا أن هذا على مذهب من لم يقل بعموم المشترك ولا بعموم جهات الوضع، فأما من ذهب إلى العموم فيهما فقد ذهب إلى العموم فيه.

كذلك قيّد المحققون دعوى عدم العموم فيه بما إذا لم يوجد في ظاهر اللفظ دليل العموم كلام الإستغراق (كالجوربين والتساخين) وإلا فإنه يفيد العموم، ودليلهم أن

(1) 2 قلت: قد عرفت مما سبق أن الحديث المتلقى بالقبول لا يكون صحيحًا إلا بشرطين. أحدهما أن يشتهر عند أئمة الحديث بغير نكير منهم. وهذا الحديث وإن كان إسناده صحيحًا عندنا فقد أنكره من عرفت من كلام المؤلف والشيخ أحمد شاكر. وحينئذٍ لا أرى أن يقال: إنه مما تلقي بالقبول. بل منهم من قبله ومنهم من ردَّه. والحق مع الأولين قطعًا. والحجة إسناده الثابت. نعم يعضده ويزيده قوة جريان عمل الصحابة عليه، كما سيأتي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت