الصفحة 124 من 272

قوله: ( ويدعونَ عيسى ابن مريمَ وأمَّهُ ، وقد قال الله تعالى:( ما المسيحُ ابن مريم إلا رسولٌ قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أني يؤفكون * قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرًا ولا نفعًا والله هو السميع العليم ) : قال ابن القيم - رحمه الله -:"وقد تضمنت هذه الآية الحجة دليلين يبطلان إلهية المسيح وأمه:"

أحدهما: حاجتهما إلى الطعام والشراب وضعف بنيتهما عن القيام بنفسهما ، بل هي محتاجة فيما يقيمها إلى الغذاء والشراب ؛ والمحتاج إلى غيره لا يكون إلهًا ؛ إذ من لوازم الإله أن يكون غنيًا .

الثاني: أن الذي يأكل الطعام يكون منه ما يكون من الإنسان من الفضلات القذرة التي يستحي الإنسان من نفسه وغيره من انفصالها عنه ، بل يستحي من التصريح بذكرها .

ولهذا - والله أعلم - كنى سبحانه عنهما بلازمها من أكل الطعام الذي ينتقل الذهن منه إلى ما يلزمه من هذه الفضلة ، فكيف يليق بالرب سبحانه أنه يتخذ صاحبة ولا وولدًا من هذا الجنس .. فانظر ما تضمنه هذا الكلام الوجيز البليغ المشتمل على هذا المعنى العظيم الجليل الذي لا يجد سامعه مغمزًا له ، ولا مطعنًا فيه ، ولا تشكيكًا ، ولا سؤالًا يورده بل يأخذ بقلبه وسمعه" (1) ."

قوله: ( واذكر له قوله تعالى:( ويوم يحشرهم جميعًا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون * قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون ) : ففي يوم القيامة يسأل الله جل جلاله ملائكته - وهو أعلم بهم لكن لأجل إبطال حجة هؤلاء المشركين - ( أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون ) ، فدل على أن منهم من يعبد الملائكة وهم من خيار خلق الله تعالى وأكرمهم ، فتبين بطلان قولهم بأن الفرق بينه وبين المشركين أنه هو يدعو الصالحين والأولياء والمشركين يعبدون الأصنام والله أعلم .

(1) - الصواعق المرسلة: ( 2/482- 483) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت