فهرس الكتاب
قوله: ( واعلم أن الله سبحانه من حكمته ... ) : والحكمة في جعله للأنبياء والمصلحين أعداءً: ليحصل الابتلاء والتمحيص ، وأيضًا فالحق لا يظهر نوره ، ولا يشع شعاعه ، ولا ترسخ قدمه ، إلا إذا قاومه أهل الباطل وعارضوه ، فعند ذلك يظهر من علامات ثبوت الحق ، وفساد الباطل وزيفه ودجله ما يتنافس الكثيرون من المصلحين لإثباته وإقراره وتقعيده بكلام كثير ونقاش طويل (1) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"من أعظم أسباب ظهور الإيمان والدين ، وبيان حقيقة أنباء المرسلين ، ظهور المعارضين لهم من أهل الإفك المبين ... وذلك أن الحق إذا جحد وعورض بالشبهات أقام الله تعالى له مما يحق به الحق ويبطل به الباطل من الآيات البينات بما يظهره من أدلة الحق وبراهينه الواضحة وفساد ما عارضه من الحجج الداحضة ، فالقرآن لما كذب به المشركون ، واجتهدوا على إبطاله بكل طريق ... كان ذلك مما دل ذوي الألباب على عجزهم عن المعارضة مع شدة الاجتهاد وقوة الأسباب ، ولو اتبعوه من غير معارضة وإصرار على التبطيل لم يظهر عجزهم عن معارضته التي بها يتم الدليل" (2) والمصنف -رحمه الله - يريد بهذه المقدمة أن يهيأ الداعية إلى الله تعالى - والذي يدعو إلى ما يدعو إليه الأنبياء - إلى أنه سيكون له أعداء يحاربون دعوته فلا بد ن بأن يتهيأ لذلك .
[ بيان أن لأعداء التوحيد حججًا وبراهين ]
وقد يكونُ لأعداء التوحيدِ علومٌ كثيرةُ وكتبٌ وحججٌ ، كما قال تعالى: ( فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم ) [ غافر: 83]
(1) أنظر كلام شيخ الإسلام رحمه الله حول هذه المعاني في مجموع الفتاوى (18 / 56) .
(2) الجواب الصحيح ( 1/ 85) . طبعة دار العاصمة الأولى 1414هـ