وهذه الطريقة فلا تتمشى إلا في العقل الذي تستند إليه النفوس في العلية ، أو العقول التي هي كذلك ، ولا يستمر استعمالها في كل عقل ، بخلاف الطريقة الأولى ، لكن الحدس بعد الوقوف على القواعد السالفة يحكم أن العقل في الجملة أفضل من النفس ، سواء انتسبت إليه بالمعلولية ، أو لم تنتسب ، وذلك لتمامه واستغنائه عن العلاقة الجسمانية ، فإنها لنقص في جوهر النفس . وإذا كان أتم منها في ذاته ، فهو أتم منها في العلم ، الذي هو نفس ذاتها ، وهو علمها بذاتها ، وفي العلم المغاير لذاتها ، اللازم لها ، وهو علمها بغيرها . وكذلك القول في الحياة ، وإنما يقال ذات وعلم وحياة ، مع كون الكل شيئا واحدا ، للاختلاف بينهما بنوع من الاعتبار . وربما يتحقق لك فيما يستأنف ، أن العقول بأسرها إنما تختلف في ذواتها بالكمال والنقص ، وحينئذ يتبين لك أن كمالاتها الذاتية ، لا تختلف إلا كذلك ، فيجب أن تكون كلها عالمة ، وإن كان علم بعضها أنقص من علم بعض ، والعقل فلا يجوز أن يتغير علمه ، فإنه لو تغير لافتقر في تغيره إلى حركة دائمة ( و ) دورية ، كما عرفت ، فيكون العقل حينئذ من الأمور الداخلة تحت الحركات ، ومستكملا بالأجرام المتحركة . فيكون - والحالة هذه - نفسا ، لا عقلا ، وهو خلف . فيجب أن يكون علمه بالجزئيات على وجه كلي ، لا يتغير فيه ، ولا يفتقر فيه إلى آلة جسمانية .