فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 96

الأفعال الاختيارية: منها ما تمد عقباه فيجمل فعله ، والحرص عليه ، ولو ناله في سبيل تحصيله حرج ومشقة ، وأصابه في عاجل أمره كثير من الآلام . ومنها ما تسوء مغبته ، فيجدر بالعاقل أن يتماسك دونه ، وأن يتنكب طريقه ، خشيه شره ، وطلبًا للسلامة من ضره ، وإن كان فيه ما فيه من الملذات العاجلة التى تغرى الإنسان بفعله وتخدعه عما فيه سلامة نفسه.

غير أن عقله قد يقصر في كثير من شؤونه ، عن التميز بين حسن الأفعال وتقبيحها ، ونافعها وضارها ، فلا بد من معين يساعده على ما قصر عنه إدراكه ، وقدس يعجز كليًا عن العلم بما يجب عليه علمه ، لأنه ليس في محيط عقله ، ولا دائرة فكره ، مع ما في علمه من صلاحه وسعادته ، وذلك: كمعرفته الله ، واليوم الآخر والملائكة تفصيلًا ، فكان في ضرورة إلي من يهديه إلي الطريق في أصول دينه ، وقد يتردد في أمر إما لعارض هوى وشهوة ، أو لتزاحم الدواعى واختلافها ، فيحتاج إلي من ينقذه من الحيرة ، ويكشف له حجاب الضلالة بنور الهداية ، فبان بذلك حاجة الناس إلي رسول يخرجهم من الظلمات إلي النور ، ويكلمهم بمعرفة ما قصرت عنه أفهامهم ، ويوقفهم على حقيقة ما عجزوا عنه ، ويدفع عنهم الألم والحيرة ، ومضرة الشكوك.

-ضف إلي ذلك أن تفاوت العقول والمدارك ، وتباين الأفكار ، واختلاف الأغراض ، والمنازع ، ينشأ عنه تضارب الآراء وتناقض المذاهب ، وذلك يفضي إلي سفك الدماء ، ونهب الأموال ، والاعتداء على الأعراض وانتهاك الحرمات ، وبالجملة ينتهى إلي تخريب وتدمير ، لا إلي تنظيمٍ وحسن تدبير ، ولا يرتفع ذلك إلاس برسول يأتي بفصل الخطاب ، ويقيم الحجة ، ويوضح المحجة ، فاقتضت حكمة الله أن يرسل رسله رحمة بعباده ، وإقامة للعدل بنهم ، تبصيرًا لما يجب عليهم من حقوق خالقهم ، وإعانة لهم على أنفسهم ، وأعذارًا إليهم ، فإنه لا أحد أحب إليه العذر من الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت