فهرس الكتاب
... آيات الأنبياء التى أيد الله بها رسله قد اختلفت أنواعها وتباينت مظاهرها وأشكالها ، إلا أنها تجتمع في أن كلًا منها قد عجز البشر عن أن يأتوا بمثله منفردين أو مجتمعين ؛ فكانت بذلك شاهد صدق على الرسالة ، وحجة قاطعة تخرس الألسنة ، وينقطع عندها الخصوم ، ويجب لها التسليم والقبول .
... ويغلب أن تكون معجزة كل رسول مناسبة لما انتشر في عصره وبرز فيه قومه ، وعرفوا بالمهارة فيه ؛ ليكون ذلك أدعى إلي فهمها ، وأعظم في دلالتها على المطلوب ، وأمكن في الإلزام بمقتضاها.
... ففي عهد موسى ؛ انتشر السحر ، ومهر فيه قومه ؛ حتى أثروا به على النفوس ، وسحروا أعين الناظرين ، وأوجس في نفسه خيفة منه من شهده ، وإن كان عال الهمة قوى العزيمة ؛ فكان ما آتاه الله نبيه موسى الله ذلك في كثير من الآيات ، قال تعالى: وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى) (طه:17) )قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى قَالَ خُذْهَا وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى) ، ولهذا بهت السحرة ، وبطل ما وجاءوا به من التمويه والتخيل ، وامتاز الحق من الباطل.
... قال تعالى في بيان ذلك في المباراة التى كانت بين موسى عليه مالسلام والسحرة: فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ)