فهرس الكتاب
... يختلف حال الداعية في استدلاله باختلاف حال من يسأله عن قضية أو يحاجه فيها ؛ فقد يكون مقرًا بأصول تلط القضية ، معترفًا بما يوجب عليه التزامها والعمل بها ، فلا يشغل المستدل نفسه بإثبات تلك الأصول وإقامة الحجة عليها ، بل يوجه عنايته إلي بيانك اقتضاء هذه الأصول إثبات دعواه فيما خالفه فيه خصمه ليحمله على موافقته فيها واعتقاده إياها والعمل بها ، ومن ذلك استدلال الرسل عليهم الصلاة والسلام بما أقر به المشركون من توحيد الربوبية على إثبات ما أنكروه من توحيد الإلهية ، وقد أرشد الله جل شأنه إلي هذا في كثير من آيات القرآن ، وهى أدلة عقلية نقلية في وقت واحد ، ومن ذلك أيضًا احتجاج المسلم على المسلم وبقوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر:9) ؛ على حفظ القرآن ، وصيانة نصوصه وألفاظه من التحريف والتبديل ، وبقائه بلفظهم كما نزل ليكون حجة على عباده إلي أن تقوم الساعة ، وهذا دليل نقلى تقوم به الحجة على من آمن ببقاء ما بين دفتى المصحف إلي وقت الخصومة ، لكنه خالف في استمرار حفظه في المستقبل.
... وقد يكون السائل شاكيًا في أصول ما سأل عنه ، طالبًا على تلك الأصول أو منكرًا لها ، حتى إذا ما ثبتت بالحجة ، ثبت تبعًا لها ما سأل عنه أو نكره ، فيضطر المستدل إلي إثبات هذه الأصول بالأدلة العقلية ، كالذي حاج إبراهيم عليه السلام في ربه ؛ فإن إبراهيم عليه السلام استدل على إثبات الربوبية لله بأنه هو الذي يحيى ويميت ، فسلك الكافر في جداله طريق التمويه وادعى لنفسه أنه يحيي ويميت ، وقصد معنى سوى الذي قصد إليه إبراهيم عليه السلام في استدلاله ، فأتاه إبراهيم عليه السلام بآية أخرى من آيات الربوبية على سبيل المثال ، لا يجد الكافر سبيلًا إلي التمويه والمغالطة فيها ، فقال: