فهرس الكتاب
فإذا كانت هذه الكواكب الثلاثة أرفع من الكواكب السيارة شأنًا ، وأعلى قدرًا ، وأعم نفعًا عندهم. وقد قضت لوازمها بانتفاء سمات الربوبية والألوهية عنها ، وأحالت أن تستوجب لنفسها حقًا لها في العبادة والتقرب إليها فما عداها من سائر الكواكب أبعد من أن يكون له حظ ما في الربوبية أو الإلهية ، وأحرى بنفى ذلك عنه ، واستحالته عليه. ولذا أعلن إبراهيم عليه الصلاة والسلام في ختام المناظرة براءته مما يزعمون من الشركاء وأسلم وجهه لله وحده الذي فطر السماوات والأرض ، وأبدع خلقها دون شريك أو ظهير يعينه في ذلك ، وضمن إعلان النتيجة الاستدلال بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية ، وهذا هو معنى لا الله ، فإن ما فيه البراءة من الشركاء نظير نفى الإلهية الحقه عن الشركاء في كلمة التوحيد ، وما فيه من إسلام وجهه لله نظير الاستثناء في كلمة التوحيد ، لدلالته على إثبات الإلهية الحقة لله ، ومثله قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ) .
وهذا الضرب من الاستدلال قد سلك سبيله في المناظرة كثير في العلماء قديمًا وحديثًا ، وقد جاء في الكتاب والسنة كثيرًا لكن على منهج العرب في حديثهم وطريقتهم في المناظرة والحجاج ، فإن رسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قد بدأت في العرب ، وبلغتهم نزل القرآن لا على طريق الصناعة المنطقية ، حيث يقولون في مثل هذا الموضع إجمالًا: لو كانت هذه الكواكب أربابًا أو آلهة ما حالت ولا زالت ، لكنها تحول وتزول ، فليست أربابًا ، فإن الله حى دائم لا يحول ولا يزول.