فهرس الكتاب
وروى ابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ما يقتضي أن مقام إبراهيم في هذه الآيات مقام نظر لا مقام مناظرة واختاره واستدل عليه بقوله: ( لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ) (الأنعام: من الآية77)
وذكر محمد بن إسحاق ما يفيد أن ذلك حين خرج إبراهيم من السرب الذي ولدته فيه أمه لما خافت عليه من نمرود بن كنعان . أ .هـ باختصار .
وبيان ذلك أن إبراهيم كان قبل الرسالة في حيرة في تعيين من يعبده وإن كان يعتقد بفطرته السليمة أن للعباد ربا له قدره وعظمته وجلاله وحكمته في تدبيره وتصريفه لشئون خلقه فنظر في السنن الكونية نظرة اعتبار واستدلال لنفسه نظر في النجم ثم الشمس ليخرج نفسه من القلق والحيرة إلى العلم والهدى والرشاد فلم يجد فيها سمات الربوبية ولا الصفات التي تستحق بها ان تؤله وتعبد وانتهى به نظره واستدلاله لنفسه إلى ما أعلنه أخيرًا من البراءة من الشرك والشركاء والتوجه لله رب العالمين وحده ثم كان مقام دعوته لأبيه وقومه إلى التوحيد ومناظرته لهم فيما كانوا عليه من الشرك بعد الرسالة .
وعلى هذا يستطيع الداعية إلى الإسلام أن يجد لنفسه أيضًا قدوة حسنة وأسوة رشيدة في سيرة إبراهيم عليه السلام وفي خبر الله عن منهجه في هذه الآيات فيبدأ بالنظر في الآيات الكونية والدلائل الشرعية ليعلم الحق في نفسه أولًا ثم يتبع ذلك الدعوة إليه ليكون في دعوته على بينة وبصيرة فعلى كلا المعنيين لهذه الآيات يجد الداعية إلى الحق في خليل الرحمن مثالًا حسنًا يحتذيه وميزانًا عادلًا يزن به عقيدته وعمله ودعوته ويقتفي أثره فيه .