فهرس الكتاب

الصفحة 432 من 628

بها خطأ استراتيجيا دائي، فهي تقيد قدرات من يبنيها وتكون هدفا سهلا لعدوه. تبنيها لكي نحميك ولكنها تقطع عنك المساعدات وتحد من مرونتك، قد تبدو لك منية ولكن بمجرد أن تتحصن خلف أحدها يعرف الجميع مكانك، ودون جهد كبير من عدوك يتحول حصنك إلى سجن، كما أن مساحاتها الصغيرة والمقيدة تجعلها معرضة بشدة لانتشار الأوبئة والأمراض. بلغة الإستراتيجية لا توفر الحصون أي حماية و تخلق من المشكلات أكثر مما تحل.

البشر کائنات اجتماعية بطبيعتهم ولذلك تعتمد السطوة على التعاملات والاختلاط الاجتماعي، ولكي تكتسب السطوة عليك أن تضع نفسك في مركز الأحداث كما فعل لويس الرابع عشر في قصر الفرساي. يجب أن تدور الأنشطة حولك وعليك أن تتنبه لما يجري في الشوارع وأن تكتشف أي شخص قد يدبر ضدك المكائد. ويخطئ معظم الناس حين تتهددهم الأخطار ويلجأون للانعزال والانغلاق على معارفهم المقربين كحصن أو ملاذ يشعرهم بالأمان، ولكن ذلك يجعلهم يقتصرون في الحصول على المعلومات على دوائر تضيق باستمرار، ويضيع منهم المنظور الواضح والعقلاني لرؤية الأحداث، ويفقدهم القدرة على المناورة فيصبحون أهدافا سهلة لأعدائهم، وقد تصيبهم العزلة بالارتياب المرضى، وكما في الحروب والنزاعات وكذلك في أغلب الألعاب الإستراتيجية يكون عزل الخصم ومحاصرته الخطوة الأولى هزيمته والقضاء عليه.

في أوقات الريبة والخطر عليك أن تقاوم هذه الرغبة نحو الانطواء للداخل، وأن تكون أكثر انفتاحا على الآخرين، وتبحث عن حلفائك القدامى وأن تكون تحالفات جديدة، وتجبر نفسك على الدخول في دوائر متنوعة من العلاقات. كانت تلك حيلة الأقوياء وأصحاب السطوة لقرون مضت.

كان رجل الدولة الروماني شيشرون من أصل متواضع بين النبلاء، ولم يكن ذلك ليسمح له بالحصول على السطوة ما لم يصنع لنفسه مكانا بين الصفوة الذين يحكمون المدينة، وقد نجح في ذلك نجاحا مبهرا. أخذ شيشرون يتعرف على كل أصحاب

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت