في عالمنا المعاصر نواجه جميعا تحديا مزدوجا. من ناحية ترغب في السطوة والنفوذ ولا أحد يكتفي منها بل يرغب الجميع في المزيد فبدونها نشعر وكأننا ريشة في مهب الريح لا نملك تأثيرا على الناس والأحداث التي تتحكم بنا. من الناحية الأخرى يفرض علينا المجتمع أن نكون مهذبين ومنصفين وأن لا نظهر أبدا تعطشنا ومساعينا للحصول على الهيمنة لأن ذلك يظهرنا في أعين الناس انتهازيين ويعرض
حياتنا بينهم للخطر. هذا الواقع يفرض علينا أن نكون ماكرين في تصرفاتنا بأن تظهر الود ونبطن الخداع؛ نعلن تأييدنا للعدالة والمساواة بين الناس وفي الخفاء تحايل للهيمنة عليهم.
ظلت هذه الازدواجية الدائمة في التعامل تميز مكائد النبلاء ورجال الصفوة للحصول على السطوة في حاشية الحكام. طوال التاريخ كانت الحاشية تدور حول شخصية واحدة نافذة هي الملك أو الملكة أو الحاكم أو القائد، وكان على رجل الصفوة أن يواجه موقفا صعبا لا مفر منه. كان عليه التقرب من وليه والعمل على کسب الحظوة لديه؛ لكن لو بالغ في التملق أو تحققت له حظوة مفاجئة كان رجال الصفوة الآخرون يتنبهون ويكيدون له. لهذا كان على رجل الصفوة البارع أن يخفي تحركاته بطرق ماكرة، إلا أن حتى من كانت لديهم هذه البراعة في المكر كان عليهم دائما أن يحموا أنفسهم من المكائد المستمرة من النبلاء الآخرين الساعين لإبعادهم عن الحظوة
مع هذا كان على مجتمع الصفوة أن يكون مثالا للتحضر، وكان النبلاء يفزعون إن قام أحدهم بتحركات فجة أو عنيفة النيل الحظوة ويكيدون في الخفاء لتدميره. تلك كانت معضلة الحياة في القصور، كان عليهم دائما أن يوفقوا بين التصرف