فَصْلٌٌ
الأشاعرة
ذكر تطور مذهبهم ومصادرهم ومكانهم
الأشعرية والأشاعرة، هم أصحاب الإمام المتكلم النظَّار أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري البصري، من ذرية الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.
تربى في حجر زوج أمه زعيم المعتزلة أبي علي الحيائي، فنبغ في الكلام حتى عد من أنبغ تلاميذه. لكنه ما بلغ أربعين سنة من عمره حتى بحث عن الحق بصدق واجتهد حتى هداه الله للسنة، و أخذ مذهب أهل الحديث والأثر عن شيخ أبيه الحافظ زكريا بن يحيى السَّاجي، فصعد منبر مسجد البصرة الجامع ونزع قميصه معلنًا نزع مذهب المعتزلة وأعلن أنه على عقيدة الإمام أحمد بن حنبل، رحمه الله تعالى، و منذ ذلك قام يذب عن عقيدة أهل السنة والجماعة بأصول كلاميَّة وتخرج على يديه أصحاب كبار قمعوا المعتزلة وظهروا عليهم، لأنهم خاطبوهم باللغة التي يفهمونها. لكن لما كانت خبرة أبي الحسن بمذاهب المبتدعة مفصلة وخبرته بمذهب أهل السنة مجملة، وهو نفسه لم يكن من أهل الحديث والأثر، دخلت عليه بعض أصول المتكلمين. ويظهر ذلك جليًّا في «رسالته لأهل الثغر» ، وخفيًّا في «الإبانة» .
و لما كانت تلك الهفوات طفيفة، وكان جهاد الرجل وقمعه لأهل البدع قويًّا فقد تأثر به عدد كبير من أهل السنة وأعجبوا بطريقته وانتحلوها. وقد ذكر ذلك وبينه وبين طبقات الأشاعرة الحافظ أبو القاسم بن عساكر، رحمه الله تعالى، في «تبيين كذب المفتري على أبي الحسن الأشعري» .
و المسائل التي دخلت على أبي الحسن الأشعري هي فهم مسألة الكلام فقد قال بمسألة الكلام النفسي وهي أن الله تعالى يتكلم بكلام بلا صوت ولا حرف، وهي مسألة حلول الحوادث بذات الله تعالى، ولذلك بني عليها تأويل سائر الأفعال الاختيارية لله جل جلاله، كالملجئ والنزول وما إلى ذلك. وفي الإيمان قال بأن المعرفة تكفي في النجاة عند الله تعالى، وفي القدر قال بالكسب بمعنى أن العمل يخلقه الله تعالى فيكون من كسب الإنسان ولا علاقة للسبب بالمسبب.