الصفحة 110 من 168

و لم يكن أئمة الأشاعرة المتقدمون شيئًا واحدًا في هذه المسائل، بل كثير من متقدميهم موافقون لمحض السنة في مسائل الإيمان والقدر، كما أن بعض أهل الحديث والأثر موافقون لمقالة الأشاعرة في مسائل القدر والتحسين والتقبيح.

و لذا فإن متقدمي الأشعرية كانوا في الجملة شيئًا واحدًا مع أهل السنة المحضة، إلا ما كان من بعض متشددي الحنابلة، وذلك كابن مجاهد ثم ابن الطيب الباقلاني ثم البيهقي والخطيب البغدادي وأبي نعيم الأصبهاني وأبي ذر الهروي ثم أبي القاسم بن عساكر وغيرهم.

و كل ما كان الرجل ريان من علم الحديث والأثر كان أبعد عن البدعة، وكلما كان بخلاف ذلك كان أقرب إليها وأبعد عن السنة.

و ما ابتعد الأشعرية من أهل السنة المحضة إلا يتزعم المتكلمين لمذهبهم كالجويني والغزالي والفخر الرازي وعبد القاهر البغدادي، حتى إذا وصلنا إلى المتأخرين عمَّ السَّيل وطم واشتد الانحراف، فاستقر المذهب على ما هو عليه اليوم من تأويل سائر الصفات الإلهية إلا عددًا صغيرًا بحجة أنها تدعو لتشبيه الخالق بالمخلوق، والتصريح بأن القرآن الذي بين الدفتين مخلوق إما من إنشاء الرسول - صلى الله عليه وسلم -!! أو من إنشاء جبريل عليه السلام!! وأن الإيمان هو مجرد التصديق، وما جعل نطق اللسان إلا لإجراء أحكام الدنيا عليه، وأن الإنسان مجبور في صورة مختار. فهذا أعظم ما خالفوا فيه السنة، مع إنكار الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى. أما باقي مسائل الدين فهم وأهل السنة سواء فيها وخلافاتهم فيها واحدة.

و بذلك ترى أن الأشاعرة:

1.عندهم تجهم واضح.

2.و إرجاء شديد.

3.جبر في مسألة القدر.

لكن للإنصاف فإن مقالاتهم في القدر قد قال بها كثير من أهل الحديث والأثر، فلم تبق إلا مسألتان والله المستعان.

و أنت ترى أن ما كان يستنكره أئمة السنة على الجهمية وغيرهم من المرجئة وأهل البدع هو عين ما وقع فيه الأشعرية فقد أنكروا العلو والاستواء وقالوا إن الله سبحانه لا فوق ولا تحتو لا يمين ولا يسار!! وأولوا جميع صفات الأفعال وأرجعوها لصفة الإرادة فرارًا من مسألة حلول الحوادث بذات الله تعالى، وقالوا بخلق القرآن الذي بين يدي الناس، وقالوا برؤية

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت