الصفحة 158 من 168

و هو كتاب ممتع قوي في مناقشاته، وقد قدم له بمقدمة فقهية أصولية مع ذكر كلام أهل العلم في مسألة الزيارة. وقصده من الكتاب الرد على من قال إن جميع أحاديث الزيارة موضوعة لا أساس لها من الصحة.

و الذي يتبين لي، بعد النظر والبحث المصنف الذي يقصد صاحبه محض الحق، أن التوسل إلى الله تعالى في الدعاء بذوات الأنبياء والصالحين لا حرج فيه، وقد فعله السلف، لكن الأفضل هو ترد ذلك والتوسل بالأعمال الصالحة أو بالأسماء والصفات أو بدعاء الصالحين.

كما أن سد ذرائع الشرك بالله تعالى وحسم مادته يقتضي ترك هذا النوع من التوسل، وأنت ترى أن عامة القائلين بهذا النوع من التوسل يجرهم البحث للقول بجواز الاستغاثة بغير الله تعالى وتسمية ذلك توسلًا.

كما أن جل ما أثر عن السلف من الأدعية خال من التوسل بذوات الصالحين.

و كذلك فالصحابة لما قحطوا توسلوا بدعاء صالحيهم؛ العباس بن عبد المطلب - رضي الله عنه - ويزيد بن الأسود الجرشي، رحمه الله تعالى.

و أيضًا، فالتوسل بالصالحين يعلق القلب بهم بدل إخلاص توجهه إلى الله تعالى، وفي هذا من شبهة الشرك فتأمل.

لكن ما ثبت من حديث توسل الأعمى وما صح من أحاديث وآثار أخرى يدل على الجواز لمن علم ما يدعو به، وابتعد عن الشرك وأسبابه.

و هذا هو سبب نصرة ابن تيمية، رحمه الله تعالى، وأصحابه لهذا القول.

أما الزيارة فعامة أحاديثها لا تصح عند التحقيق وقد بالغ ممدوح في مخالفة أهل العلم بتصحيح أحاديث اتفقوا على أنها شديدة الضعف.

و قد تبين لي قوة مذهب من منع شد الرحال لغير المساجد الثلاثة، من أماكن تفصد للتعبد فيها أو التبرك بها كالمشاهد المباركة وأمثالها، مع أن القول المقابل وهو الجواز قوي أيضًا. والمسألة مازالت عندي مشكلة. ولعلي أرجع لهذا الموضوع في مكان آخر.

و هذا الأمر بين وضح في مرقد الحبيب المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، فإن زيارة مسجده زيارة له، فداه نفسي.

لكن زيارة فبور غيره، - صلى الله عليه وسلم -، من قبور الأنبياء والصالحين بقصد التبرك بها واعتقاد فضل الدعاء عندها، فلاشك أن هذه بدعة وذريعة إلى الشرك وجعل لها عيدًا، وهو مضاد لما نهى عنه - صلى الله عليه وسلم -.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت