الصفحة 35 من 168

قال الإمام الذهبي، رحمه الله تعالى، في"السير" (18/ 509) في ترجمة شيخ الإسلام أبي إسماعيل الهروي، رحمه الله تعالى، المتوغي سنة 481 هـ:

و لقد بالغ أبو إسماعيل في"ذم الكلام"على الإتباع فأجاد. ولكنه له تفسير عجيب لا يشبه تفسير أئمة السلف في كتابه"منازل السائرين"، ففيه أشياء مطربة، وفيه أشياء مشكلة، ومن تأمله لاح له ما أشرت إليه. والسنة المحمدية ، لا ينهض الذوق والوجد إلاَّ على تأسيس الكتاب والسنة.

ثم قال:

قد انتفع به خلق، وجهل آخرون، فإن طائفة من الفلسفة والاتحاد يخضعون لكلامه في"منازل السائرين"وينتحلونه، ويزعمون أنه موافقهم. كلا، بل هو رجل أثري، لهج بإثبات نصوص الصفات، منافر للكلام وأهله جدًّا، وفي"منازله"إشارات إلى المحو والفناء، وإنما مراده بذلك الفناء هو الغيبة عن شهود السِّوى في الخارج. ويا ليته لا صنف ذلك، فما أحلى تصوف الصحابة والتابعين، ما خاضوا في هذه الخطرات والوساوس. بل عبدوا الله، وذلوا له وتوكلوا عليه، وهم من خشيته مشفقون، ولأعدائه مجاهدون، وفي الطاعة مسارعون، وعن اللغو معرضون، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. اهـ.

قال أبو محمَّد: التصوف علوم من علوم الإسلام، دخله الدخن والانحراف كما دخل غيره من العلوم، وهو علم المقصود منه معرفة أمراض القلوب وعلاجها، مع التربية وتزكية النفس. هذا ملخص هذا العلم.

و قد بدأ قديمًا في منتصف القرن الثاني، إذ اجتمع جماعة من أصحاب الحسن البصري، رحمه الله تعالى، في دويرة يتذاكرون فيها أحوال القلوب وعللها.

و قد أنكر على الصوفية ابتداءً بعض أئمة السنة الكبار كمالك ويحيى بن يحيى النيسابوري والشافعي ويونس بن عبد الأعلى وأبي زرعة الرازي وغيرهم. وإنما أنكروا تعمقهم في الكلام على علل القلوب وأمراضها، وبعضهم أنكر عليهم السَّماع وما إلى ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت