أمَّا السلوك فقد انحرف شيئًا فشيئًا، فبعدما كان معرفة حقوق المشايخ أدبًا رفيعًا، تطور إلى الغلو فيهم أحياءً ثم أمواتًا، ثم أجازوا بناء الأضرحة عليهم، مع ما أضفوا عليهم من قداسة لا تكون إلاَّ لله ثم شرعوا التبرك بقبورهم فشدوا لها الرحال واستغاثوا بها وتمسحوا بها، ثم استحدثوا لها المواسم حتى كتبوا في آداب مناسك المشاهد والأضرحة بما ضاها مناسك الحج والعمرة، وبذلك أعادوا ذكرى اللاَّت والعزَّى وود وسواع!!
و أما العبادة والتربية فلن يقتصروا على المشروع حتى استحدثوا عبادات ما أنزل الله بها من سلطان فاستحدث كل شيخ أذكارًا وأحزابًا زعم لها من الفضل ما لا برهان له به، وذكر لها أعدادًّا لا حجة له فيها، وتحولت حلق الذكر الممدوحة إلى حلقات للغناء بالأنغام والتواقيع وأضيف لها الدفوف عند البعض، وعند آخرين كل المعازف، مع الرقص والتثني والانحناء!! إلى بدع في شتى المجالات.
أمَّا المربون، والشيوخ المسلكون فبعد أن كانوا مثالًا للتواضع والإزراء على النفس، أصبحوا أصحاب دعاوى عريضة من الولاية والجاه عند الله والمكانة العظيمة لديه وأن من رآه لا يدخل النار، وأن أصحابه ناجون، وأن أحزابه تعدل من الفضل القرآن!! أو قريبًا منه، مع دعاوى لقاء الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقظةً ومنامًا، ولقاء الخضر وإلياس عليهما السَّلام.
و اعتقد الناس في"المجاذيب"ساقطي التكليف الولاية والصَّلاح والزلفى عند الله تعالى. فأصبح دين الله تعالى الصافي الطاهر في واد، وهذا الانحراف في واد آخر. والله المستعان.
و زاد الصورة قتامة انحراف آخرين لموالاة أعداء الدين ومظاهرتهم ضد المسلمين.
و بالجملة، فليس هذا هو التصوف الحقيقي، والأمر يحتاج إلى مجدد منصف آخذ بالإسلام جملة وتفصيلاًّ وقد أنكر جماعة من أصحابنا التصوف كله، وأساؤوا به الظن لما شابه من البدع، وهم معذورون في ذلك، غيرة فهم على التوحيد، والسنة النبوية الشريفة.
لكن كلا طرفي القصد ذميم، ودين الله وسط بين الغالي والجافي، ولا أفضل من الاعتدال وترك الغلو.