وبالجملة: فمن قال إن الله في السماء وأراد أنه في جوف السماء بحيث تحصره وتحيط به، فقد أخطأ وضل ضلالًا بعيدًا، وإن أراد بذلك أن الله فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه فقد أصاب، وهذا اعتقاد شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب، وهو الذي نطق به الكتاب والسنة واتفق عليه سلف الأمة و أئمتها ومن لم يعتقد ذلك كان مكذبًا للرسول متبعًا غير سبيل المؤمنين، بل يكون في الحقيقة معطلًا لربه نافيًا له، ولا يكون له في الحقيقة إله يعبده ولا رب يسأله ويقصده، وهذا قول الجهمية، والله تعالى قد فطر العباد عربهم وعجمهم على إنهم إذا دعوا الله توجهت قلوبهم إلى العلو، ولهذا قال بعض العارفين: ما قال عارف قط يا الله إلا وجد في قلبه قبل أن يتحرك لسانه معنى يطلب العلوّ لم يلتفت يمنة ولا يسرة، بل قد فطر الله على ذلك جميع الأمم في الجاهلية والإسلام إلا من اجتالته الشياطين عن فطرته، قال ابن قتيبة: ما زالت الأمم عربها وعجمها في جاهليتها وإسلامها معترفة بأن الله في السماء، على السماء فهو سبحانه قد أخبر في كتابه على لسان رسُوله صلى الله عليه وسلم بأنه استوى على عرشه استواء يليق بجلاله ويناسب كبرياءه وهو غني عن العرش وعن حملة العرش، والاستواء معلوم والكيفية مجهولة، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، كما قالت أم سلمة وربيعه ومالك، وهذا مذهب أئمة المسلمين وهو الظاهر من لفظ استوى خلاف ما يقر في نفوس العامة عند عامة المسلمين الباقين على الفطرة السليمة التي لم تنحرف إلى تعطيل ولا إلى تمثيل. وهذا هو الذي أراده يزيد بن هارون الواسطي المتفق على إمامته وجلالته وفضله، وهو من أتباع التابعين حيث قال: من زعم أن الرحمن على العرش استوى خلاف ما يقر في نفوس العامة فهو جهمي، فإن الذي أقره الله في فطر عباده وجبلهم عليه أن ربهم فوق سماواته.