الصفحة 26 من 84

وأما قوله تعالى: { يد الله فوق أيديهم } ، فاعلم أن لفظ اليد جاء في القرآن على ثلاثة أنواع: مفردًا كهذه الآية، وقوله: { بيده الملك } ، وجاء مثنى كقوله: { ما منعك أن تسجد لما خلقت بِيَدي } ، وجاء مجمُوعًا كقوله: { مما عملت أيدينا } ، فحيث ذكر اليد مثناة أضاف الفعل إلى نفسه بضمير الإفراد، وعدّ الفعل بالياء إليها، فقال: خلقت بيدي، وحيث ذكره مجموعة أضاف العمل إليها ولم يعد الفعل بالباء فلا يحتمل خلقت بيدي من المجاز ما يحتمله عملت أيدينا، فإن كل أحد يفهم قوله: { بما كسبت أيديكم } ، وأما قوله: { خلقت بيدي } ، فلو كان المراد منه مجرد الفعل لم يكن ليذكر اليد بعد نسبة الفعل إلى الفاعل معنىً، فكيف وقد دخلت الباء، فالفعل قد يُضاف إلى ذي اليد والمراد بالإضافة إليه كقوله: بما كسبت أيديكم، وأما إذا أضيف إليه الفعل ثم عدي بالباء إلى يد مفردة أو مثناه فهو باشرته يده، ولهذا قال عبدالله بن عمرو بن العاص: إن الله لم يخلق بيده إلا ثلاثًا: خلق آدم بيده، وغرس جنة الفردوس بيده، فلو كانت اليد هي القدرة لم يكن لها اختصاص بذلك ولا كانت فضيلة بذلك على شيء مِمَّن خلق بالقدرة، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن أهل الموقف يأتون آدم فيقولون: أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه، وسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كُل شيء، فذكروا أربعة أشياء كلها خصائص، وكذلك قال آدم لموسى في محاجته له: اصطفاك الله بكلامه وخطّ لك الألواح بيده، وفي لفظ آخر كتب لك التوراة بيده وهو من أصح الأحاديث، وكذلك في الحديث المشهور أن الملائكة قالوا: يا رب خلقت بني آدم يأكلون ويشربون وينكحون ويركبون فاجعل لهم الدنيا ولنا الآخرة، فقال الله: لا أجعل صالح ذرية من خلقتُ بيدي ونفخت فيه من روحي، كمن قلت له: كن فكان، وأيضًا فإنه لو كان قوله: { خلقت بيدي } ، مثل قوله: { عملت أيدينا } ، لكان آدم والأنعام سواءً وأهل الموقف قالوا: أنت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت