الصفحة 59 من 112

فيما بينهم وبين خصومهم انما هي خلاف في تفسير المسائل الاعتقادية وليس خلافا في المسائل في حد ذاتها، ويدلنا على ذلك مثلا أن الوهابيين وخصومهم يتفقون بأن الله سبحانه يتصف بصفات معينة كالقدرة والعلم، ولكنهم يختلفون في ماهية هذه الصفات وكيفية نسبتها الى الله، ولكن هذا لا يعني أن كل المسائل التي دار حولها النقاش من هذا القبيل، فهناك بعض المسائل التي لا يقرها الوهابييون ولا يعطونها أي صفة شرعية مثل مسألة التوسل بالاولياء والانبياء والصالحين في حين أن خصومهم يعتبرون هذه القضايا أمرا مشروعا في الدين [1] ، ولكن الخلاف في مثل هذه المسائل لم يعد أمرا ذا بال في الآونة الاخيرة إذ بعض علماء الوهابية المعاصرين اعتبروا مثل تلك المسائل بدعا مستحدثة لا شركا يخرج من الملة [2] ، كما أن الشيخ ابن عبدالوهاب قد ذكر أحيانا أنه لا يكفر من توسل بالصالحين ولا يعتبرالتوسل شركا [3] ، وبالتالي يمكن القول إن الخلاف في مثل هذه القضايا أمر ليس بينه وبين العقيدة علاقة مباشرة.

واستنادا لما سبق نستطيع القول إن الخلاف الواقع بين الوهابيين وخصومهم انما هو خلاف في التفسير، تفسير التوحيد والشرك والعبادة والتكفير والتوسل وأشباه ذلك، وتحديد معنى هذه المسائل، وسوف نناقش فيما يلي آراء الخصمين في بعض المسائل التي اشتد حولها الجدل مثل التوحيد والعبادة.

أولًا: الخلاف في تفسير التوحيد

الخلاف في تفسير التوحيد هو الاساس الذي ترجع اليه كل الخلافات بين السلفية الوهابية وخصومها، وقد رأينا التفسير الذي قدمه ابن عبدالوهاب واتباعه لقضية التوحيد مقتدين بابن تيمية [661 - 728هـ] ، وقد سبق أن قلنا أن ابن تيمية قسم التوحيد الى توحيد الألوهية والربوبية وتوحيد الاسماء والصفات، وقد تابعه في ذلك محمد بن عبدالوهاب [1115 - 1206هـ] ، وبما أن ابن تيمية كان صاحب هذه الفكرة أعني فكرة"التوحيد الثلاثي"شرع كثير من نقاد السلفية الوهابية يسمونه مؤسس المذهب الوهابي، مع أنهم على علم أن هذا المذهب ينسب الي محمد بن عبدالوهاب النجدي وهو متأخر عن ابن تيمية بما يقرب من أربعة قرون، وانما يقولون ذلك لان ابن تيمية هو أول من قسم التوحيد الى توحيد الألوهية والربوبية وتوحيد الاسماء والصفات، اذ أننا لا نجد مثل هذا التقسيم في كتب القدماء من المتكلمين وغيرهم، وقد تأثر عدد كبير من المفكرين الاسلامين بآراء ابن تيمية وابن عبدالوهاب فشرعوا يقسمون التوحيد الى أقسام ويذكرون أنواعا كثيرة وبدؤوا يحللون فكرة التوحيد الى ان بلغ بهم الامر ان قسموا التوحيد الى أربعة أقسام أو سبعة،

(1) عبدالرحمن بن ناصر بن سعدي، القول السديد، طبعة جدة 1402هـ ص3، محمد بن عبدالوهاب، كشف الشبهات، علق عليه وضبطه محمد منير الدمشقي الازهري، المدينة المنورة، الجامعة الاسلامية 1986م ص143

(2) ابن باز، مجموعة فتاوى ومقالات متنوعة، الرياض، الرياسة العامة لأدارات البحوث العلمية والافتاء والدعوة والارشاد، الادارة العامة للطبع والترجمة، الطبعة الثانية، الجزء الرابع 1990م ص27

(3) انظر مثلا، دحلان، فتنة الوهابية، ص6

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت